الصورة غير متاحة

 د. زكريا سليمان بيومي

حين قدمت حملة نابليون إلى مصر سعت منذ اللحظات الأولى إلى التودد لشعب مصر، لبس نابليون لباسًا أزهريًّا وأبدى حبه للإسلام والمسلمين، وأمر جنده أن يغدقوا على الباعة في شراء كل ما معهم وبثمن يزيد على المطلوب.

 

ثم قام رجال الحملة بعده بالعديد من الإصلاحات الاجتماعية؛ حيث أناروا الشوارع والحارات، وداوموا على نظافة الشوارع ورشها وتطهيرها، وأقاموا المستوصفات الثابتة والمتنقلة لعلاج الأهالي ومقاومة الأوبئة، والعناية بالتوليد والمواليد، وغيروا عادة قديمة، وهي دفن الموتى في المنازل، وأقاموا المدافن خارج المدن.

 

ومع كل ما قاموا به في الجانب الاجتماعي والجانب الفكري إلا أنهم حين فرضوا الضرائب على العقارات بسبب حصار الحملة وقلة مواردها ثار المصريون عليهم واغتالوا قائدهم كليبر.

 

وظلت ضريبة العقارات تمثل عقدةً أمام حكام مصر حتى أعتاهم قوةً وظلمًا، وهو محمد علي ثم أبناؤه، حتى جاء الاحتلال البريطاني الذي فرضها إبَّان الحرب العالمية الأولى لظروف بريطانيا في هذه الحرب، وأمام ما كانت تؤديه من خدماتٍ على الصعيد الاجتماعي من نظافة الشوارع والعناية بالمستشفيات والاهتمام بالمرضي، وخاصةً من الشريحة الفقيرة من فلاحين وعمال، والحفاظ على مياه النيل ومياه الشرب وتعبيد الطرق وتسهيل وسائل النقل، ومع ذلك كانت الضريبة العقارية رغم محدوديتها سببًا من أسباب ثورة الشعب المصري سنة 1919م.

 

وظلت ضريبة العقارات، أو العوايد، على محدوديتها إلى أن أعادتها حكومة الدكتور نظيف، وولَّت أمرها للدكتور يوسف بطرس غالي فصاغها في شكلٍ مستفزٍّ لكافة شرائح المجتمع المصري الغنية والفقيرة، ولم تقرن الحكومة هذه الضريبة وغيرها من الضرائب، بخدمات فعلية للشعب الذي يئنُّ تحت وطأة الفقر، فالأجر لأغلبية هذا الشعب في قمة التدني، والمواصلات سيئة، والتعليم منهار، والرعاية الصحية متردية، والأغذية في مجملها ملغومة بكل أنواع الغش والميكروبات دون رقيبٍ أو حسيب، وكافة الجوانب يحكمها أصحاب المصالح دون مراعاةٍ لأي من المبادئ.

 

وعبثًا حاولت وزارة الدكتور غالي إقناع الناس بجدوى هذه الضرائب من خلال الإعلانات التليفزيونية فأسفرت عن وجهها الحقيقي في إحاطتها بسياجٍ أمني إما الامتثال لما يراه مشرعوه أو السجن.

 

وحين يطل علينا أحد المسئولين ليشرح أمر الضريبة العقارية ومشروعيتها يضرب المثل بدول الغرب التي تفرض هذه الضريبة منذ زمن بعيد، ونحن بالتالي لسنا بدعًا فيها.

 

لكن المفارقة الغريبة هو أن الغرب يعتني بالإنسان عنايةً فائقةً قبل فرض الضرائب، فالعناية بالصحة تقترب من المثالية، والعناية بالتعليم، والعناية بالشوارع والحدائق.

 

فعلي سبيل المثال تجد في إنجلترا أن عامل الحدائق إذا مرَّ على حديقة منزل ووجد إحدى أشجارها قد ذبلت تجده في اليوم التالي يترك شجرةً أخرى أمام المنزل بالمجان، ثم يعود الاتصال هل تريدون تغيير نوع الشجرة فنأتي لكم بما تريدون؟.. وكذا عامل النظافة الذي يأخذ أكياس القمامة ويترك أكياسًا أخرى أمام المنزل بالمجان.

 

وحين تُغير مسكنك تسارع إدارة الحي إلى الاتصال بسكان المنزل لاختيار الوقت المناسب لزيارة مستشفى الحي لعمل الفحوصات اللازمة للجميع، وفتح ملفات صحية لهم لمتابعتهم،  كل ذلك علاوةً على تعويض الذي ترك سكنه ولا يستطيع السكن أو الذي ترك وظيفته فيعوض من الضمان الاجتماعي حتى يجد عملاً آخر.

 

فليس من المستغرب أن يسارع أغلب هؤلاء لسداد الضريبة العقارية وغيرها، وأن يوجه المجتمع اللوم للمقصر قبل أجهزة الدولة.

 

وقد يرد البعض بأن ذلك يرجع إلى قدرة الدولة ماديًّا ونحن دولة فقيرة لا تستطيع القيام بهذه الأمور، والرد هو أن نؤجل إذًا هذه الضريبة حتى تُوفي الدولة بالتزاماتها تجاه شعب أغلبه من المعوزين والمحتاجين.

 

كما أنه ليس صحيحًا أن الدولة تأخذ من القادرين الأغنياء لتنفق على الفقراء فأغلب الذين سيخضعون لهذه الضريبة من محدودي الدخل والفقراء ممن أُتيحت لهم فرصة السفر إلى الخارج لشراء شقة بمبلغٍ زهيدٍ ثم العودة إلى الوظيفة، وبمرور الزمن أصبحت الشقة بفعل التطور أو التهور العقاري والأزمة المادية تزيد عن الحد الأدنى المقترح، وبالتالي سيخضع ولو بقدر محدود للضريبة، ولن يستطيع في ظلِّ تدني الدخول الوفاء بأي التزامٍ مهما كان ضعيفًا أمام الغلاء الفاحش والعلاج والتعليم والدروس الخصوصية والغذاء والملبس وغيرها من التزامات تنوء بها قدرة الكثير، وسيكون أغلب هؤلاء مضطرين لقبول الرشوة للوفاء بالمفروض عليهم خشية السجن، فسيزداد الفساد، وسيتهيأ الناس لأي فعلٍ جماعي يزيد من اضطراب بلادنا قد تكون بدايته كما علمنا التاريخ هي الضريبة العقارية التي تُشبه لعنة الفراعنة.

 

هذا ما وددتُ التحذير منه قبل أن يحدث لبلادنا مكروه.. اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.

 

----------

* أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر- جامعة المنصورة.