أصبح واضحًا أن غياب العالم العربي عن الملفات العربية بأشكال متفاوتة قد أحدث فراغًا مخيفًًا للقوة في المنطقة العربية، وفتح ذلك الباب لمختلف القوى والمشروعات لملء الفراغ، فأصبحت الساحة العربية هي أرض المباريات السياسية بين هذه القوى والمشروعات.
ويستطيع المراقب بسهولة أن يرصد في هذا المشهد الفريد عددًا كبيرًا من القوى التي ظهرت على الساحة العربية بدرجات متفاوتة بعضها يعمل للصالح العربي أو يقوم بما كان يجب أن يقوم به العالم العربي، وبعضها الآخر يتصادم مباشرةً مع المصالح العربية، كما أن بعضها يصارع بعضًا في عملية تكالب بشعة على جثة العالم العربي.
بعبارةٍ أخرى فإن بعض هذه القوى يعمل في إطار مشروع متكامل له أهدافه ووسائله وأدواته، ويستهدف جوانب معينة في الساحة العربية، وبعض هذه القوى لديه مشروعات كاملة، ولكن الجسد العربي هو المستهدف أو هو- في أضعف الفروض- الفضاء الذي تتحرك عليه هذه المشروعات.
وقد تنبهت بعض مراكز البحوث العربية إلى حملة التكالب المسعورة على العالم العربي، ومن بينها مركز دراسات الشرق الأوسط في عمان الذي عقد مؤتمرًا جادًّا خلال الأسبوع الثالث من أكتوبر 2009م؛ لمناقشة هذه القضية الخطيرة، والبحث في مكونات المشروع العربي الإسلامي الذي يسد الفراغ في المنطقة العربية، ويتولى تحصين الجسد العربي من عملية التناهش التي يتعرض لها، ومعالجة العالم العربي من هذا الداء الذي جعله بحق رجل العالم المريض، خاصةً أنه زاخر بالمزايا والثروات، وقد زرعت فيه "إسرائيل" حتى تتولى القضاء على مناعته ليسهل السيطرة عليه.
نستطيع أن نرى في جنبات هذا المشهد الصين والهند وباكستان "الجريحة" وروسيا وإيران وتركيا وأمريكا و"إسرائيل"، غير أن المشروعات الظاهرة حتى الآن هي المشروع الأمريكي والمشروع الصهيوني والمشروع الإيراني، أما تركيا فلا يزال مشروعها- فيما يبدو- في طور التشكيل، ويظهر لنا أن المشروع التركي، الذي لم تتحدد قسماته النهائية حتى الآن، بدأ يظهر على الأرض فيحل محل المشروع العربي الإسلامي، ويصطدم بالمشروع الصهيوني، ولكنه بعيد عن المشروع الأمريكي؛ ولذلك فنحن نزداد يقينًا بما افترضناه من أنه يجب- لاعتبارات عملية- الفصل بين المشروع الصهيوني والمشروع الأمريكي، على أساس أن ارتباطهما ارتباط لا يقبل التجزئة وفق النظرية العربية الحالية يضر ضررًا بليغًا بالعالم العربي، ويجهض فرصة ذهبية للعرب، وهي الاستعانة بالولايات المتحدة والتركيز على المشترك في المصالح الأمريكية العربية؛ لإحداث ثغرةٍ في جدار التحالف الأمريكي الصهيوني، مما يجفف مصادر الحياة للمشروع الصهيوني، فيلزمه إما بالتفكيك وإما بالمواءمة مع الجسد العربي.
ويبدو لنا أن المشروع التركي يحاول أن يجمع بين عناصر الوضع التركي؛ حيث تقع تركيا في العالم الإسلامي، وفي الجوار المباشر الجغرافي والإستراتيجي، والاشتراك المباشر في التاريخ والعيش المشترك مع العالم العربي، وفي نفس الوقت تقع تركيا في جزءٍ منها في أوروبا، وتطمح إلى أن تكون حلقةَ الوصل بين أوروبا والشرق الأوسط، وسوف يضيق المقام إذا فصلنا في تجليات السلوك التركي انعكاسًا لهذه المصادر.
ولكن من الواضح أيضًا، لنا على الأقل، أن تعاطف تركيا مع الفلسطينيين ضد العدوان "الإسرائيلي" في غزة يدخل في إطار الموقف التركي الجديد، ولكن هذا الموقف، الذي يلقى ترحيبًا عارمًا في العالم العربي والإسلامي، يواجه قلقًا أوروبيًّا وأمريكيًّا، كما يواجه فزعًا "إسرائيليًّا" بحيث ترك المراقب في حيرةٍ بين أمرين، ولكن الثابت أن "إسرائيل" تنظر بجدية ومعها الولايات المتحدة بدعمٍ أوروبي إلى تهذيب الموقف التركي، خاصةً أن هذا الموقف الرسمي المتقدم تم في وقتٍ تراجعت فيه المواقف الرسمية العربية بما فيها الجامعة العربية وهو يرضي الحكومات العربية دون أن تقوى حتى على المجاهرة بالإعراب لتركيا عن هذا الرضا؛ ولذلك فإن استضافة تركيا لمؤتمر الأسبوع الثالث من نوفمبر 2009م حول العلاقات العربية- التركية، يجب أن يلحظ هذا التفاوت بين الموقفين الشعبي والرسمي في العالم العربي.
ورغم أن المشروع التركي الذي يصادق العالم العربي والإسلامي ولا يعادي إيران، ويحاول التوسط في المشاكل الإسلامية ويسعى إلى تخفيف التناقض بينه وبين المشروعين الصهيوني والأمريكي، لم يتبلور نهائيًّا بعد، إلا أننا نشك أن هذا المشروع يمكن أن يضحي بالتحالف الأمريكي، كما أنه سوف يصعب عليه تحقيق الفصل بين المشروعين الصهيوني والأمريكي من زاوية تقدم المشروع التركي على نفس الأرضية.
ولكن من المحقق أن المشروع التركي مشروع مسالم يقوم على وزن دقيق للمصالح ونظرة عملية للمتناقضات سوف يجد حرجًا شديدًا مع المشروع الصهيوني الذي لن يحتمل تقدم المشروع التركي خطوات أخرى، ولكن المشروع الصهيوني يرى في تركيا تحالفًا إستراتيجيًّا سوف يحرص عليه، وهذه هي مساحة الصدام بين المشروعين، وسوف يحسم هذا الصراع بروز مشروع عربي إسلامي يتحالف مع المشروع التركي ويتحاور مع المشروع الإيراني، وربما الأمريكي، ويتصدى للمشروع الصهيوني الذي ينفرد دون سائر المشروعات الأخرى بأنه السرطان الوحيد الذي يسعى إلى فناء العالم العربي وليس إلى مجرد السيطرة عليه.