جاء أقوى اعتراض على حصول "باراك أوباما" على جائزة نوبل للسلام من داخل أمريكا نفسها، وفي بيان رسمي من "الحزب الجمهوري"، بينما اكتفت عواصم أخرى بالاندهاش، وسارعت جوقة المتملقين بالتأييد والترحيب.
ولقد كانت دهشة أوباما نفسه أكبر من دهشة الآخرين، واعترف بشجاعة أنه لم يفعل شيئًا بعد، يستحق عليه الفوز بالجائزة، وأعلن البيت الأبيض أن الجائزة المالية سيتم التبرع بها للأعمال الخيرية.
هذا التصويت من لجنة أكبر جائزة عالمية تخصص للسلام، بجانب بقية الفروع التي تشمل الآداب والعلوم والطب وغيرها، لصالح الرئيس الأمريكي الشاب الذي لم يمض إلا أقل من عام على توليه رئاسة أكبر دولة في العالم، ويواجه مشكلات عديدة، وانحدرت شعبيته إلى أقل من 30%، جاء ليثبت أن الجائزة مسيّسة، وليست تخضع لقواعد منضبطة أو معايير علمية، ويكفي أن نفس الجائزة حصل عليها من قبل الإرهابي مناحم بيجن مناصفة مع الرئيس السادات، وبيجن إرهابي عريق في الإرهاب قتل بيديه، ثم قتل بقرارات رسمية آلاف العرب والفلسطينيين والمصريين، ويجادل البعض أن الجائزة تمنح الآن للتشجيع، وليس للإنجاز؛ ما يفقد الجائزة قيمتها ومعناها بعد أن تم تسييسها.
أجمل تعليق على فوز أوباما كان "لقد فاز لأنه لم يكن جورج بوش الابن الذي تسببت سياساته في احتقان عالمي شديد، وشن حروبًا بالجملة، وأشعل نار الدمار في أكثر من مكان في العالم؛ ولكن هل يكفي ذلك في ظل عدم وجود أي إنجاز؟
لذلك كانت ميزة أوباما لدى اللجنة أنه يريد وينوي إطفاء تلك الحرائق المشتعلة، وإن لم يطفئها بعد.
لقد قالت اللجنة إن إعلان أوباما خفض الترسانة النووية أمام مجلس الأمن، وفي الأمم المتحدة؛ سبب كافٍ لفوزه بالجائز، فضلاً عن أنه يشجع على الحوار بين الأمم والشعوب.
ويمكن أن يضاف إلى ذلك أيضًا إلغاء الدرع الصاروخية في أوروبا التي تسببت في احتقان العلاقات مع روسيا.
هذه أسباب أوروبية بامتياز، فماذا عن بقية العالم؟
يواجه أوباما تحديات عديدة في الداخل بأمريكا وفي الخارج في الشرق الأوسط الإسلامي.
داخليًّا يتعرض أوباما لحملة انتقادات عنيفة؛ بسبب مشروع الرعاية الصحية الذي علَّق عليه مستقبله الرئاسي، ويحتاج إلى تمويل ضخم جدًّا (900 مليار دولار) على مدار عشر سنوات؛ حتى يغطي التأمين الصحي كل مواطن أمريكي، وهو حلم فشل في تحقيقه كل الرؤساء الديمقراطيين من قبل، وإذا تحقق سيدخل به أوباما سجل التاريخ، تاريخ رؤساء غيَّروا أمريكا بالفعل، وخارجيًّا يواجه أوباما أكبر تحدٍّ مع حلفائه في حلف الأطلنطي "الناتو" على أرض أفغانستان؛ حيث يطالب القادة العسكريون بإرسال المزيد من القوات العسكرية بالآلاف من أجل كسب الحرب على الأرض، بينما يطالب المراقبون الإستراتيجيون بوضع إستراتيجية بديلة تركِّز على كسب السكان والناس، بعيدًا عن حركة المقاومة البطولية لطالبان.
وتتوزع الآراء، وتتشعب بين من يجمع طالبان إلى القاعدة في تنظيم واحد وأهداف واحدة، وبين من يفرق بينهما بهدف إدماج حركة طالبان في الحوار من جديد؛ لإيجاد حل ومخرج مشرف للقوات الغارقة في الوحل، والتي تنزف كل يوم، ويتصاعد النزيف منها، وتتوالى نعوش الجنود إلى العاصم الأوروبية والأمريكية وأمريكا؛ ما يؤجج مشاعر الرأي العام ضد تلك الحرب التي لا يفهم المواطن العادي سببها، وطالت إلى ثمانية سنين التهمت حتى الآن حوالي ألفين من الجنود غير المدنيين الأبرياء، ولا يرى في الأفق إمكانية لكسبها على الأرض، بل الفشل هو عنوانها الرئيسي حتى الآن، والتجارب السابقة للقوات الغازية من قديم الزمان، أثبتت أن أرض الأفغان هي مقبرة الغزاة، وتقوم الدول المجاورة بدعم المقاومة رسميًّا أو شعبيًّا أو عبر التجارة السرية من الحدود لاستنزاف القوات الأمريكية انتقامًا وثأرًا أو سياسةً وتدميرًا، ولا أنسى مقالاً لي بعد 6 شهور فقط بالحياة اللندنية حول الغرق في المستنقع الأفغاني.
الخياران أمام أوباما كلاهما مرة؛ فإذا أعلن انتهاء الحملة على أفغانستان، والبحث عن حلول سياسية، وبدء الحوار مع طالبان؛ فإنه سوف يتعرض إلى هجوم قاسٍ وشديد من أركان الحزب الجمهوري ودعاة الحرب في أمريكا ورجال بوش الذين لم يدعوه وشأنه حتى الآن، وسيواجه اتهامًا خطيرًا بتعريض أمن أمريكا الوطني والقومي للخطر، وأنه انهزم أمام "إرهاب القاعدة"، ولم يحقق انتصارًا على تنظيم إرهابي، كما يصفه على الدوام، وأنه خذل الناخبين، ولم يف بوعوده الانتخابية.
وإذا استمرت الحملة على أفغانستان وزاد عدد القوات؛ فإن مستقبل الحرب مظلم وكسبها ضعيف، ونزيف الجنود سيستمر وتبرير الحرب سيضعف مع الأيام، وسينفض التأييد المتراجع لها في الرأي العام، وستلقى نفس مصير الحرب على العراق، وستزداد المشاكل كما تفاقمت مع بوش الابن؛ لتطيح به في نهاية المطاف، وسيتآكل التأييد الشعبي له كبطل للسلام حاز على جائزة نوبل للسلام.
يأتي فوز أوباما بجائزة نوبل للسلام؛ ليطرح على الرأي العام مبكرًا تقييمًا شاملاً لسياسات أوباما، قبل أن يتم العام من حكم 4 سنوات، وهو ما ليس في صالحه تماما؛ لأن المشاكل تحيط به من كل جانب، وذهبت السكرة، وجاءت الفكرة، ويتوالى الهجوم عليه من كل جانب.
كما يأتي الفوز بالجائزة ليعلق المزيد من الآمال على انحياز أوباما للسلام ضد الحرب، وهو ما يعني وضعه في زاوية؛ لأن رجل الدولة قد يختار مختارًا أو مكرهًا الحرب من أجل تحقيق مصالح وطنه، وليس فقط كما يدعون من أجل تحقيق السلام.
أما بالنسبة لنا ولقضيتنا المركزية، فقد حاز أوباما حتى الآن جائزة الفشل الكبرى؛ حيث رضخ تمامًا للإرهابيين نتنياهو وليبرمان، فتراجع أمامهما واستمر الضغط على محمود عباس الذي سارع لتهنئته بجائزة قد لا يستحقها تمامًا، واندهش هو شخصيًّا لفوزه بها الآن.
يرى البعض أن منح الجائزة لأوباما يعكس حجم النفاق والتسيس في جائزة، فقدت معناها من زمن بعيد، بينما يرى القليل أنها تعكس أملاً وتشجيعًا لرجل قد يضمر خيرًا للبشرية، بعد ويلات عصابة الحروب في أمريكا.
العجيب أن معظم الرؤساء الأمريكيين الفائزين أو نوابهم كانوا من الحزب الديمقراطي: كارتر، وآل جور، وأوباما.