شعبان عبد الرحمن

حرب صامتة وغير مباشرة يتعرض لها الرجل، ولم يظهر من شررها حتى الآن سوى النزر اليسير.. ويستخدم مشعلو تلك الحرب كل ما يملكون من أدوات؛ سعيًا للتخلص منه بأي ثمن ولكن دون جدوى.

 

فلم يعد خافيًا أن أوار تلك الحرب اشتعل على "رجب طيب أردوغان" رئيس الوزراء التركي منذ مجيئه إلى سدة الحكم على رأس "حزب العدالة والتنمية" في 14/3/2003م، ثم تولَّى رفيق دربه "عبد الله جول" رئاسة الجمهورية في 28/8/ 2007م؛ ليمسك "حزب العدالة" بدولاب الحكم كاملاً، عبر إرادة شعبية لا غبارَ على شفافيتها ونزاهتها؛ ولا شك أن قوة شعبية الرجل وحزبه، وإنجازاته اللافتة للانتباه على صعيد التنمية الاقتصادية، ومواقفه السياسية الداخلية والخارجية التاريخية التي أعادت لتركيا مكانتها كدولة كبرى، أفسدت كثيرًا من نيران تلك الحرب، لكن مشعليها ازدادوا مكرًا ودهاء، وهم يصبون مزيدًا من الزيت عليها.

 

ومهما قيل عن دوافع تلك الحرب التي تخوضها جهات خارجية بالتعاون مع التيار العلماني المتطرف داخل تركيا؛ فإن الدافع الأكبر هو التخوف من إعادة تركيا إلى أحضان الإسلام، أو إعادة الإسلام إليها عبر هذا الحزب وقيادته ذي الجذور الإسلامية، أو قل: "ذا الجذور والفروع الإسلامية".

 

وبالطبع؛ فإن الكيان الصهيوني يقف في القلب من ساحة تلك الهجمة على حزب العدالة والتنمية، خاصةً بعد مواقف تركيا الكبيرة التي فاجأت العالم ضد الحرب الصهيونية الوحشية في غزة، وموقف "أردوغان" من "شيمون بيريز" خلال منتدى "دافوس"، ثم قرار تركيا يوم الأحد الماضي 11/10/2009م إلغاء المناورات الجوية المشتركة مع "إسرائيل"، التي كان من المقرر أن تستضيفها بعد أيام من هذا القرار، وأرجعت أنقرة السبب إلى أن الطائرات التي سترسلها "إسرائيل" للمشاركة في المناورة هي على الأرجح نفس الطائرات التي استخدمها الصهاينة في الحرب على غزة، لقد حاولوا إرسالها لتحلق في سماء تركيا، موجهة رسالة تنطوي على كثير من المعاني إلى الشعب التركي وقادته- "أردوغان" و"جول"- لكن تركيا أحبطت المكيدة وردت بصفعة أقوى.

 

وقد سبق ذلك إلغاء وزير الخارجية "أحمد داود أوغلو" زيارته لـ"إسرائيل"؛ ردًّا على رفض الأخيرة زيارته لغزة، وإلغاء صفقة شراء طائرات "إسرائيلية".

 

وقد تزامنت تلك التطورات مع صدور تقارير صحفية صهيونية تكشف عن خوف متنامٍ داخل "إسرائيل" من قيام رئيس الوزراء التركي "رجب طيب أردوغان" بعملية "أسلمة" للجيش التركي.

 

ونقلت مصادر صحفية عن مصدر سياسي "إسرائيلي" رفيع المستوى قوله: "تراودنا، ومعنا بعض الدول الغربية، مخاوف من أن يكون أردوغان يقوم بصمت وبحزم بعملية أسلمة لتركيا".

 

وأفادت مصادر سياسية "إسرائيلية" بأن هذه المخاوف مشتركة أيضًا لعددٍ من الدول الغربية المهمة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا.

 

التخوفات الصهيونية- كطبيعة اليهود دائمًا- وصلت إلى أبعد مدى، محذرةً من تقارب تركي إيراني في المستقبل، وهو ما يرعب الكيان الصهيوني.

 

هذا الكم الكبير من التصريحات والتسريبات التي تنم عن عداء صهيوني متنامٍ لحزب العدالة والتنمية وقيادته، لا يأتي كمقدمة لتدبيرات وتحركات صهيونية للإطاحة بـ"أردوغان" والتخلص من حكومته، وإنما يأتي كخاتمة لواحدة من حلقات مؤامرة كبرى، شارك فيها الصهاينة التيار العلماني المتطرف في داخل تركيا؛ للتخلص من حزب العدالة عبر القضاء التركي، برفع قضية من القوى العلمانية لحل الحزب، وهو ما رفضه القضاء في 30/7/2008م، ثم محاولة إحداث انقلاب في تركيا على شاكلة الانقلابات العسكرية السابقة على الحكومات المدنية، وقتل "أردوغان" و"عبد الله جول" عبر شبكة (أرجينيكون) اليسارية الإرهابية، التي تمَّ ضبطها في يونيو 2007م، والتي تضم 58 متهمًا، بينهم جنرالات سابقون وعسكريون ما زالوا في الجيش، واعتقل العديد منهم؛ ذلك إضافةً إلى صحفيين ومقربين من رجال قضاء.

 

وكشف محضر الادعاء العام التركي، أن منظمة (أرجينيكون) كانت تخطط لاغتيال رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان ورئيس الجمهورية عبد الله جول، وقالت صحيفة (ميلليت): إن العملية كانت ستتم عبر إطلاق صاروخ على طائرة أردوغان، مدللةً على ذلك بعثور قوات الأمن على صاروخ مضاد للطائرات بأحد الحقول بقرية "كيمليك" التابعة لمحافظة بورصة.

 

وثبت ضلوع الكيان الصهيوني في أعمال تلك الشبكة، فقد كشفت رسالة إلكترونية في حاسوب أحد المتهمين أن صحفيًّا صهيونيًّا أرسل إلى بعض المتهمين في القضية بريدًا إلكترونيًّا، يذكر فيه أن جهاز الاستخبارات "الإسرائيلي" (الموساد) على استعداد لاغتيال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.

 

تُرى.. أي تاريخ ناصع ومشرف يسطره حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان وجول أمام ذلك التاريخ القاتم الذي يخطه المنهزمون والمطبعون من بني جلدتنا؟!.

-------------

* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية