يرى البعض أن الديمقراطية لا تصلح في الدولة الإسلامية، والبعض الآخر يرى أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون إسلامية؛ لأنها ليبرالية المنشأ والبناء، والبعض الآخر يرى أن الديمقراطية تصلح لتكون آلية حكم في الدولة الإسلامية.
وهذه الآراء تحتاج لوضع تعريف محدد لمصطلح الديمقراطية، والنظر في الآلية المناسبة للحكم في الدولة الحضارية الإسلامية، والديمقراطية قامت كنظام للحكم في الدولة القومية القطرية الغربية، واستندت إلى مقولة أن يكون الحكم للشعب، واعتبرت الديمقراطية بأنها قواعد ونظام للعمل السياسي، يهدف إلى تحقيق القيم الغربية السياسية، خاصةً القيم الليبرالية.
ومما لا شك فيه، أن النظام السياسي الغربي له قواعده الأساسية وآلياته في إدارة العملية السياسية؛ حتى يحقق غايات النظام السياسي لديه، والدولة الحضارية الإسلامية تختلف في الأسس مع الدولة القومية القطرية؛ حيث إنها تستند إلى القيم الحضارية والدينية وليس على العرق والقومية، كما أن الدولة الحضارية الإسلامية لها غاياتها المختلفة عن غايات الدولة الغربية؛ لأنها تعمل وفق قيم مختلفة عن القيم الغربية، وبهذا يصبح السؤال: هل يمكن تحقيق غايات الدولة الحضارية الإسلامية بنفس الأدوات المستخدمة في تحقيق غايات الدولة الغربية؟!
والبداية هي تحديد الأسس الضرورية لتحقيق الدولة الحضارية الإسلامية لغاياتها؛ حتى نعرف ما إذا كانت تناسب آليات العمل الديمقراطي أم لا، ثم البحث عن قواعد الشورى، والتي تمثل القاعدة الأساسية للدولة الحضارية الإسلامية؛ لمعرفة ما إذا كانت آليات الديمقراطية تحقق الشورى أم لا.
القيم الحاكمة
أهم ما يميز الدولة الحضارية الإسلامية أنها تستند إلى منظومة قيم حاكمة، وتلك القيم- والتي تمثل قواعد ومبادئ وأحكامًا- تمثِّل الإطار الحاكم للدولة والنظام السياسي، وهي أيضًا الإطار الحاكم للمجتمع والأمة، وبهذا المعنى يصبح لدينا إطارٌ حاكمٌ من القيم المطلقة الإلهية، والتي تحكم الأمة والدولة معًا.
في نفس الوقت، فإن الدولة الحضارية الإسلامية هي وكيلٌ عن الأمة، فالأمة توجد أولاً، ثم تقام الدولة التي تصبح وكيلاً عنها وخادمًا لها، والدولة الحضارية تستند للقيم الحاكمة؛ لأن الأمة أقامتها لتكون ملتزمةً بتلك القيم، وفرضت عليها أن تلتزم بها، ومعنى هذا أن الأمة هي صاحبة الولاية الأساسية، والتي بموجبها اختارت الأمة الالتزام بقيمها الحضارية والدينية، واختارت أن تقيم دولةً ترعى هذه القيم وتحققها، وبهذا تكون الدولة مكلفةً من قِبَل الأمة بتحقيق قيمها العليا، ومكلفةً بتحقيق غاياتها العليا، فلا يجوز للدولة والنظام السياسي الخروج عن عقد التوكيل الأساسي والذي حدَّد القيم والغايات التي يجب الالتزام بها.
سلطة القيم الدينية
تحقَّقت سلطة القيم الدينية في التاريخ الإسلامي عبر توافق الأمة على تحديد رؤيتها لتلك القيم وفهمها لها، وهنا أصبحت الولاية للأمة، ولم تستطع جهة انتزاع حق الحكم باسم الدين، أما علماء الدين فكانوا وما زالوا هم أصحاب الرأي العلمي الديني، والذي يعرض على الأمة، ويكتسب قوته إذا توافقت عليه الأمة، وتوافق العلماء عليه؛ حيث يصبح رأيًا سائدًا، وبهذا يكون قاعدةً ألزمت الأمة بها نفسها، والدولة الحضارية تحتاج إلى تأمين هذه القاعدة؛ أي قاعدة أن القيم الحاكمة للدولة لا تخضع لأي سلطة ولا تتحكم فيها أي جهة، فهي القيم التي أمنت بها الأمة، ولهذا تصبح الولاية الحقيقية للأمة وليس لأي سلطان ديني.
فلهذا نقول: إن القيم الحضارية والدينية التي تحكم الدولة الحضارية هي القيم التي آمنت بها الأمة، وبهذا تصبح هذه القيم ملزمةً للدولة، ويصبح التزام الدولة بهذه القيم خضوعًا من الدولة لولاية الأمة.
في التطبيق
عندما تطبق القيم العليا على أرض الواقع، يخضع التطبيق للاجتهاد البشري، فقد يكون التطبيق جيدًا أو سيئًا، أو يكون التطبيق خروجًا على القيم العليا، فإذا خرج الحاكم عن القيم العليا، أو خرج المجلس التشريعي عن تلك القيم، وبالتالي خرج النظام السياسي عن القيم الحاكمة، عندئذٍ يحقُّ للأمة أن تسحب توكيلها للدولة أو للنظام السياسي أو للحاكم أو لممثليها، وتنزع عنهم السلطة، وتنتخب غيرهم، فالدولة الحضارية الإسلامية، إذا خرجت عن مرجعية الأمة، تسقط منها الشرعية، ويحق للأمة أن تصحح مسارها وتغير القائمين عليها.
ولأن الدولة تستند للقيم الدينية، فإن علماء الدين عليهم النصح والتنبيه والإرشاد، ولكن ليس لهم سلطة على الحكم، فعلماء الدين هم من صنَّاع الرأي العام مع غيرهم، ولكن الرأي العام هو الذي يصنع قرار الأمة، وهو الذي يحدد قبول الأمة للسلطة القائمة أو رفضها لها، وتظل السلطة القائمة تحت رقابة الأمة، فالأمة هي التي منحتها الشرعية، وهي التي يحق لها نزع الشرعية عنها إذا خرجت على محتوى عقد الوكالة الذي حصلت عليه من الأمة، فولاية الأمة لا تسقط بمجرد توكيل الدولة الحضارية الإسلامية عنها، ولكن الدولة الحضارية الإسلامية تظل شرعيةً بقدر ما التزمت بمرجعية الأمة.
الشورى
الحقيقة أن تعريف الشورى يعدُّ أمرًا مهمًّا لمعرفة كيف يمكن تحقيقها، وهناك بالطبع اجتهاداتٌ كثيرةٌ في هذا الشأن، ولكن ما نحتاجه هو المعنى الذي يشرح لنا علاقة الدولة الحضارية الإسلامية بالأمة، وأظن أن التعريف الأفضل هو الرأي الجماعي أو رأي الجماعة؛ فالشورى هي ترجيح رأي الجماعة على رأي الفرد، وجعْل رأي الجماعة أفضل وأنسب من رأي الفرد؛ بما يجعل الحكم الصالح هو القائم على رأي الجماعة، والحكم الفاسد هو القائم على رأي فرد مستبد.
واستخلاص رأي الجماعة ليكون الرأي الغالب ليس أمرًا يخص النظام السياسي فقط، بل يخص النظام العام كله، بما فيه النظام الاجتماعي ونظام الأسرة وغيرها، فعندما تقوم الأمة على الرأي الجماعي تتحقق لها وحدتها.
فالأمة- وهي البناء الجماعي المتضامن والمتكافل- تسير في المسار الذي تجمع عليه الجماعة في مختلف المستويات؛ حتى تظل بناءً جماعيًّا متماسكًا، ولهذا نقول: إن بناء مجتمعاتنا يقوم على البنية الجماعية وليس البنية الفردية كما في الغرب، فالمجتمع المصري مثلاً تحكمه قواعد الرأي الغالب فيه، حتى في القضايا الحياتية والسلوكية، ووجود رأي عام أو رأي جماعي غالب هو ما يميز المجتمعات الشرقية المحافظة، والتي تستند في الواقع إلى وحدة الجماعة وعلى الدين، والدين هو محقق وحدة الجماعة؛ لأنه قيم عليا مطلقة إلهية.
إذن.. الشورى هي المبدأ المرجِّح لرأي الجماعة على رأي الفرد، وهي المبدأ الذي يلزم برأي الجماعة في شئونها العامة، ويجعل رأي الجماعة مصدرًا للسلطة والشرعية.
القيم عندما تكون مطلقة
من المسائل المهمة في نموذج الدولة الحضارية الإسلامية، أنها تقوم على قيم عليا مطلقة، وهي تمثل الدستور الأعلى، المستمد من المرجعية الإسلامية، والذي ينبع منه الدستور السياسي المكتوب. وقد يرى البعض ولهم حق في ذلك، أن كل نظام يقوم على قيم حاكمة. ولكن الفرق بين القيم الحاكمة التي يضعها البشر والقيم الحاكمة الإلهية، فرق هائل. لأن القيم التي يضعها البشر تخضع لهم، أما القيم الإلهية فيخضع لها البشر. والقيم البشرية نسبية وقابلة للتفسير والتأويل والتغيير والتبديل، أما القيم الإلهية فهي مطلقة وتقبل التفسير والتأويل، ولكنها لا تقبل التبديل والتغيير. لهذا، فإن شورى الأمة تعمل في إطار تفسير وتأويل القيم الإلهية، حتى تستطيع تطبيقها على أرض الواقع، ولكنها لا تملك لها تبديلاً. أما ديمقراطية الشعب، فإنها تعمل في إطار قيم الشعب، والذي يملك تغييرها أو تغيير معناها حسب حاجته، كما أن النخب السياسية في النظام الديمقراطي، تصبح هي مصدر تفسير وتعريف القيم الحاكمة ذات المصدر البشري، وبالتالي يكون لها سلطة معنوية على الشعب. وهذا ما لا يحدث في نظام الشورى، حيث يكون تفسير القيم الإلهية رهنًا بالرأي الجماعي للأمة.
فإذا قلنا من فرض تلك القيم المطلقة على الأمة، أو على المجتمعات المنتمية لتلك الأمة، فالرد واضح، فقد فرضتها الأمة على نفسها من خلال إيمانها الديني، ولا يمكن لأحد أن يفرضها عليها.
فالأمة الإسلامية، هي كذلك بسبب اختيارها التاريخي. ومعنى هذا، أن الأمة اختارت الالتزام بقيمها الدينية المطلقة، وهي التي ألزمت نفسها بها. مما يعمق ولاية الأمة، ويجعل النظام الحاكم خاضعًا للقيم التي أمنت بها الأمة.
النظام المنشود
النظام الذي يحقق ولاية الأمة على النظام السياسي، والذي يمكن الأمة من اختيار حكامها وممثليها ومحاسبتهم وعزلهم، والذي يمكن الأمة من أن تكون رقيبة على العملية السياسية، حتى تمنع الخروج على القيم العليا، هو النظام المنشود في الدولة الحضارية. حيث يمكن الأمة من أن تضع الدستور السياسي المعبر عن دستورها الحضاري والديني الأعلى. كما يمكن الأمة من تغليب الرأي الجماعي، في التشريع والحكم والقضاء. ويمكنها من توفير سبل الرقابة الدستورية على كل سلطة، حتى تلتزم بمرجعية النظام السياسي. وهو أيضًا النظام الذي يجعل الأمة قادرة على فرض وحدتها على النظام السياسي، بحيث يكون ملزمًا بتحقيق وحدة الأمة السياسية، أي يصبح أي نظام سياسي قطري ملزمًا بالمسئولية الحضارية والتاريخية للأمة، والقائمة على وحدتها.
إن ما نحتاجه هو في الواقع أكثر من الديمقراطية، لكن آليات العمل الديمقراطي تحتوي الكثير من عناصره، فالنظام المؤسسي القائم على الدستور المكتوب والقانون، وعلى المؤسسية القائمة على الفصل بين السلطات، والتوازن بين أدوار المؤسسات، والتعددية السياسية، والتنظيم الاجتماعي والسياسي الحر، والذي يعبر عن تيارات الأمة، وقواعد الانتخاب الحر لاختيار الحاكم وممثلي الأمة، وقواعد الرقابة الدستورية والقانونية على مؤسسات السلطة، كلها تمثل عناصر لازمة لتحقيق الشورى.
ويضاف لها أهمية وجود قواعد تمكن الأمة والمجتمع من عزل من يخرج على التفويض الممنوح له من الناس، وتمكن الأمة والمجتمع من محاسبة من يصل للسلطة. وأيضًا هناك أهمية لوجود تطوير لقواعد الانتخاب، حتى يكون الانتخاب مشروطًا، وقائمًا على اتفاق بين الناخبين ومن يختارونه لتولي منصب معين. حتى لا تكون الانتخابات عملية تفويض مطلق للحاكم، تمكنه من أن يفعل ما شاء حتى تنتهي مدة ولايته. فنظام الشورى يحتاج لتفعيل دور الأمة، بحيث لا يقتصر دورها على الإدلاء بصوتها في الانتخابات. ومن خلال وضع آليات لعملية التفويض والرقابة والحق في العزل والمحاسبة، وتعميق الرقابة الدستورية، تتحقق بالفعل ولاية الأمة على الحكم.
فالديمقراطية كآلية، كافية لتحقيق الأسس التي تقوم عليها العلمانية الغربية. ففي تلك العلمانية يختار الناس الحاكم وممثليهم، ويترك لهم مجال الحكم، ثم يحكم عليهم الناس من خلال النتائج المترتبة على حكمهم في حياة الناس، فالحاكم الذي يحقق الرفاهية للناس يعاد انتخابه، والأمر هنا يبدو مرنًا للغاية، فالقيم العلمانية الحاكمة في الغرب تقوم على المنفعة، وتعتبر أن المنفعة هي الحق. ولهذا فإن العلاقة بين المجتمع والحاكم، تتعلق بما يوفره الحكم من منافع للناس، حتى وإن تحقق ذلك بالعدوان على دولة أخرى أو الهيمنة على شعوب أخرى.
الخلاصة
لذا نرى أن الشورى تمثل القاعدة العامة، التي تحقق ولاية الأمة، وتلزم الدولة الحضارية الإسلامية بمرجعيتها التي اختارتها الأمة، والشورى يمكن أن تتحقق نسبيًّا من خلال آليات العمل الديمقراطي. بحيث يكون التطبيق الديمقراطي مرحلة لتعميق نظام الشورى من خلال تطوير قواعد التفويض والرقابة والمشاركة المجتمعية الواسعة، وتعظيم دور الأمة والمجتمعات.