في ظل تفكيري العميق حول أسباب عدم الحديث عن إنفلونزا الطيور، والإسهاب في الحديث عن أخطار إنفلونزا الخنازير، وجعلها كأنها العدوُّ الأول للأمن القومي المصري بدلاً من الكيان الصهيوني، وتأكدي أن الحكومة المصرية لا يهمُّها المصريين في أي شيء، بدليل "عبَّارة السلام", و"قطار الصعيد", و"الدويقة"، وغيرها كثير.. أقول: بدأ تفكيري يسرح- لوحده طبعًا- في أن الحكومة فشلت في أن تواجه الشعب المصري وتخرسه وتسيطر عليه بإنفلونزا الطيور؛ لأن هذا معناه أن الحكومة ستواجه الشعب المصري في منازله، والتجار في محالِّهم ومزارعهم؛ بما يعني مزيدًا من الاضطراب، وهذا ما لا يحتاجه أي نظام مستبد مقبل على كارثة!.

 

وكان أسهل شيء رأته الحكومة أن ترعب الشعب- كل الشعب- عن بُعد، دون أن تدخل بيته أو تغلق محله أو مزرعته.. ترعبه من خلال الهواء، وتسيطر عليه في أي مكان، وأيضًا عن بُعد، فاستغلَّت إنفلونزا الخنازير التي اقتحمت بها الجامعات لمواجهة أي تظاهرات تقليلاً للتكدُّس، وأرعبت بها تلاميذ المدارس الذين لا يعرفون شيئًا بعدُ عن ألاعيب السياسة، وقلَّلت بها فرص العمرة وتريد أن تلغي بها فريضة الحج، بل جعلت إنفلونزا الخنازير هي الشغل الشاغل للجميع؛ كي ينسى الشعب حديث الهموم والأوجاع والدخول القليلة والفساد المستشري والاستبداد المسيطر، وينسى بطالته وعنوسته وضميره وإرادته؛ كي تستغلها في أي مصالح خاصة بها، ولعل أقربها الانتخابات.

 

لقد جعلت الحكومة الجميعَ يتقبَّل الخوف من أي تطور أو انتشار لإنفلونزا الخنازير؛ بعد نجاحها في بثِّ ثقافة الرعب التي نشرتها داخل كافة الأوساط، مع أنها لم تغلق سينما، أو تواجه تكدُّس قطار، أو وسيلة مواصلات، أو مترو أنفاق، أو حشودًا بالآلاف في إستادات كأس العالم، بل عملت على انتشار ارتداء الشعب كله "كمامة"، وكأنها لا يعجبها صمته وفقدانه لإرادته، بل لا تريد أن تراه يتكلم أو تتحرَّك شفاهه في ظل واقع سياسي مستبدٍّ يواجه الشرفاء بالاعتقالات!.

 

وستكشف الأيام القادمة- كما تكشف تحليلات الكتَّاب والباحثين- أننا ضحايا وهْم اسمه "إنفلونزا الخنازير"، تمَّ تضخميه من أجل مصالح تجارية في الخارج تلاقت مع مصالح سياسية لدى النظام الحاكم، وكان يحتاج لإدارة ناجحة للقضاء عليه ببساطة في مهده، وإليكم بعض الحقائق:

* د. حاتم الجبلي وزير الصحة المصري أوضح في اجتماع للجنة الصحة بمجلس الشعب، تمَّ مؤخرًا، أن منظمة الصحة العالمية غير أمينة في التعامل مع أزمة إنفلونزا الخنازير، وبحسب (رويترز) فإن المنظمة تروِّج لاستمرار الأزمة سنوات عديدة.

 

- في مقابلة تمَّت مؤخرًا على قناة (الجزيرة) قال ليونارد هورويتز لأحمد منصور في برنامج (بلا حدود): "إن إنفلونزا الخنازير خُلِقَ في المختبر، وهو عبارة عن فيروس مصنَّع مخبريًّا، واتهم شركات بعينها وأشخاصًا بأنها تدير مؤامرةً على البشر، ووصف التطعيمات بأنها شيءٌ همجيٌّ مرعبٌ، له مخاطر أسوأ بكثير من طفيليات الدم.

 

* لم يختلف الأمر كثيرًا لدى الباحثين؛ فقد جاء على لسان الدكتور الألماني د. ودارج قوله عن إنفلونزا الخنازير: "إنها تجارة كبيرة للصناعة الدوائية، فإنفلونزا الخنازير لا تختلف كثيرًا عن الإنفلونزا العادية، على العكس تمامًا، إذا نظرت إلى عدد الحالات فإنها لا شيء مقارنةً بموسم الإنفلونزا العادية"، ولا تسبِّب إلا العوارض العادية للإنفلونزا، ولا تستلزم إلا بضعة أيام من الراحة.

 

* فسَّر عالم الاجتماع السويسري يان تسيجلر المستشار في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة- بحسب مقال بعنوان: (كابوس مروع.. أسرار منظمة الصحة العالمية) للدكتورة سارة ستون- اهتمامَ الولايات المتحدة ومعاونيها من اللوبي اليهودي بخطورة انتشار المرض، ومحاولة نشْر المصل الخاص به أن "ما يحدث ليس سوى مؤامرة لاستغلال فقراء العالم".

 

ويقول تسيجلر: "إن إنفلونزا الخنازير تُستغل على حساب فقراء العالم، وإنه بينما يستنفر الإعلام من أجل 45 شخصًا تُوفوا بالفيروس خلال الأسابيع الأولى منه؛ فإن مائة ألف شخص يموتون يوميًّا من الجوع وتداعياته المباشرة".

 

وقال: إنه لن يستغرب لو تبيَّن فيما بعد أن شركات الأدوية الكبرى هي الممسكة بدفة هذا التوجيه الإعلامي في ضوء الركود الذي أصابها من جرَّاء الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وأضاف أن إنفلونزا الطيور عادت على شركات الأدوية العملاقة بالمليارات من بيع الأدوية، بعد "تكدُّس" براءات الاختراع التي تمتلكها، والخاصة بالعقاقير المضادة للإنفلونزا.

 

* انتقل هذا القلق من وهْم إنفلونزا الخنازير إلى الكتَّاب؛ ففي مصر قال هاشم سليمان، الكاتب في الشأن العلمي بموقع (إسلام أون لاين) الشهير، في مقالاته التي جاءت تحت عنوان: (خدعة إنفلونزا الخنازير): إننا- للأسف- كالعميان، نجري وراء كل ناعق، حتى لو كان هذا الناعق منظمة الصحة العالمية، فقد انبهرت الأنفاس من "الجمرة الخبيثة"، ثم من "سارس"، ثم من "إنفلونزا الطيور"، والآن أنفاسنا تنبهر مما تعارف عليه إعلاميًّا بـ"إنفلونزا الخنازير"!.

 

وفي الأردن قال حسين الرواشدة في مقاله في صحيفة (الدستور) الأردنية الذي جاء تحت عنوان: (إنفلونزا الخنازير.. وهم أم حقيقة؟!): "يمكنك أن تقرأ على موقع المنظمة بالإنترنت الأعراض المرضية لما يُعرف إعلاميًّا بـ"إنفلونزا الخنازير".. إنها ارتفاع في درجة الحرارة- سعال- التهاب واحتقان بالحلق- رشح الأنف- آلام بالأذن- صداع- آلام بالعضلات والمفاصل، وأحيانًا قيء أو إسهال.."، ثم يتساءل: "أليست هذه أعراض الإنفلونزا العادية؟!

 

إذن لماذا نجد منظمة الصحة العالمية في طليعة حملة الإرعاب الدائرة رحاها الآن؟ ولماذا ترفع درجة الإنذار من الفيروس A-H1N1 المسبِّب لما يطلق عليه "إنفلونزا الخنازير" إلى الدرجة السادسة، وهي أعلى درجات الاستنفار والتحذير والإنذار؟!".

 

وقال الكاتب علي محمد الشيباني في مقال له في (الجمهورية. نت) جاء تحت عنوان: (إنفلونزا الخنازير وهْمٌ للتسويق!!): "طلعوا بتقليعات جديدة من أسباب الخوف والقلق والهلع في النفوس.. جاءوا بإنفلونزا الخنازير ومن قبلها إنفلونزا الطيور، وقبل قبلها مرض جنون البقر، وكلها صناعاتٌ غربية، فيها ما فيها من فبركة وإثارة وأسباب للقلق والتوتر".

 

وأضاف قائلاً: "إنهم لو جمعوا إنفلونزات العالم كله لا يساوي خطرها خطر مرض البلهارسيا أو التيفويد أو السرطان، أو ما شئت من الأمراض التي يملأ أصحابها المستشفيات في كل البلدان النامية".

 

وإن كان هذا هو وهْم إنفلونزا الخنازير؛ فإني بالتزامن أطالب من يتصدَّى لمشروع التوريث؛ بأن يتبنَّى حملات موسعة في كل مكان لمواجهة مخطط حقيقي اسمه "إنفلونزا التوريث"، وهو المقصود تمريره من وراء ضجَّة إنفلونزا الخنازير في مصر، فهو المرض الفتاك الذي يفتك بدول العالم الثالث، وليس له مصلٌ حتى الآن، ويسعى الشرفاء لصناعته، خاصةً أنهم متأكدون أن "إنفلونزا التوريث" التي صُنعت في معامل "الحزب الوطني الحاكم"؛ إن تمكَّنت من جسد الوطن جعلته ميتًا لا حراك فيه، ويتقبل الهزيمة بكل مستوياتها.