حالة من التوتر والارتباك اجتاحت أنظمة الحكم في دول المنطقة، على أثر الموقف المخزي لسلطة محمود عباس بتأجيل النظر في تقرير جولدستون- الذي أصيب بالدهشة وأجهش بالبكاء-، ليس حزنًا على ضياع الفرصة لإدانة الكيان الصهيوني، ولا تجاوبًا مع مشاعر وشعائر جمهور الأمة؛ لكن خوفًا من استدعاء هذه الفضيحة لسابقة الأعمال السوداء لغالبية حكام المنطقة دون استثناء، من رصيد أسود في التهاون والتآمر على قضايا الأمة ومصالحها وثرواتها وإرادتها.
وعلى الطرف الآخر حالة من الاحتقان والسخط والاستياء من غالبية الشعوب التي نجحت أنظمة الاستبداد والفساد في شغلها؛ برغيف الخبز، أو جرعة الدواء، أو كوب الماء، بين الطرفين- أنظمة الاستبداد والقهر، وغفلة الشعوب- فقدت قضايانا المصيرية النصرة الشعبية، والتأييد الفاعل والمؤثر، وتعرضت الموارد والثروات للسلب والنهب والضياع.
القرار الآثم لسلطة عباس ليس مستغربًا للمتابعين بوعي ويقظة، بل يأتي في السياق العام لسلسلة التراجع والانكسار التي تعانيها أنظمة الحكم التي باتت لا تملك سوى الانصياع لتعليمات البيت الأبيض وحكومة الكيان الصهيوني، بل في بعض الأحيان كانت هناك شراكة تضامنية بين أنظمة الحكم وبين إدارة المشروع الصهيوأمريكي ضد مصالح الأمة، بل يرى البعض أن أنظمة الحكم صارت وفي كثير من الأحيان الذراع التنفيذي للمخططات ضد مصالحنا، الأسباب كثيرة والشواهد أكثر، لم يكن سرًّا ولا اكتشافًا عبقريًّا لأحد أن تعلن صحف الكيان الصهيوني أن سبب قرار عباس هو التهديد بشريط يؤكد تورطه في الحرب على غزة، أو مقابل صفقات اقتصادية لهذا أو ذاك؛ لأن الحرب تورط فيها غالبية أنظمة الحكم العربي التي وجدت في هذه الحرب فرصة ذهبية للتخلص من الصداع المزمن المسمى بالمقاومة، حرب تورط فيها الجميع بالصمت والتبرير تارة، والدعم والمؤازرة تارة أخرى، أما الصفقات الاقتصادية المشبوهة فقد طالت الغالبية الساحقة من رموز النظم الحاكمة.
الأحداث تؤكد أن الرهانَ على الأنظمة العربية وحكوماتها فاقدة المفعول والتأثير والقيمة؛ رهانٌ خاطئٌ وفاشلٌ ومضيعةٌ للوقت والجهد والثروات، ما عدنا نثق ولا نأمل ولا نراهن على هؤلاء الزعماء على المستوى السياسي والقانوني سواء بسواء.
سنبقى ندور في حلقةٍ مفرغةٍ حتى يتم التغيير الحقيقي، تغيير واقع الشعوب من السلبية إلى الإيجابية، من الغفلة إلى اليقظة، من اللا مبالاة إلى تحمل المسئولية، من الإحباط المقعد إلى الأمل والعمل، هذا هو الرهان وهو مسئولية الأمة كل الأمة وليس مهمة فصيل دون فصيل، هذا البناء والإعداد سيفرز تلقائيًّا قيادات أكثر وطنية ومسئولية، قيادات تؤمن بقضايا الأمة وتحترم إرادتها، دون أن تُختزل في شخوصٍ وأقزام أضاعوا مكانتها وأهدروا كرامتها، الرهان الحقيقي هو ما تُمارسه المقاومة السلمية في ميدان العمل السياسي والجماهيري ضد نظم الاستبداد والفساد الجاثمة على الصدور، والمقاومة المسلحة في ميادين الجهاد ضد العدوان والاحتلال متترسة بشعوب؛ تؤمن بالإصلاح، وتمتلك إرادته، وتتحلى بصفاته وتتحمل تبعاته، هذا هو الرهان الفائز بل وربما الوحيد.