تقرير القاضي ريتشارد جولدستون، كان نتاج حراك نقابي وشعبي ومؤسسات مدنية، محلي، عربي ودولي، حراك ضخم ومعقد.. هذا النضال كان يمزق الصورة النمطية التي نسجتها الصهيونية والإمبريالية الغربية حول النضال العربي في سبيل الانعتاق والاستقلال؛ عملية غاية في الصعوبة والدقة والمسيرة كانت تبحر في حقول من الألغام المنصوبة لنا من قوانين تعاقب مَن يتصدى لـ"إسرائيل" بتهمة اللاسامية التي تزج بغياهب السجون.
حرب شُنَّت من قبل منظمات مدنية بقيادة مفكرين ومثقفين غربيين، أمميين وعرب للوصول للرأي العام الشعبي المحاصر في الغرب بصناعة إعلامية تسيطر عليها شخصيات صهيونية وأخرى أشد حقدًا على الأمة العربية.
اختراق هذا الساتر الإعلامي المهول، خصوصًا بعد التأثير المخيف للحرب على الإرهاب والانحياز المطلق للدولة الغربية ومؤسساتها بشكل فاضح ضد العرب، هيئة الإذاعة والتلفزة البريطانية (BBC) مثلاً ومعها مؤسسات إعلامية دولية سكاي (SKY) رفضت أن تبث نداء استغاثة مدفوع الأجر لجمع التبرعات الطبية لضحايا الحرب الصهيونية على غزة.
توصيل الصورة الحقيقية للفلسطيني الذي يُذبح بيد صهيونية مجرمة وبآلة حرب غربية، أنجزت إلى حد كبير (استخدمت شبكة الإنترنت بكثافة منقطعة النظير, الكلمة والصورة والصوت والفيديو، المحاضرات ومعارض صور الضحايا لفت كل الكون والمسيرات والرسائل إلى محرري الصحف والكتابة للبرلمانيين والتأثير في البرلمانات الأوروبية.
تشكلت مجموعات دعم وإسناد لفلسطين على مستوى الأحياء والمدن في بلدان كثيرة، قام بعض المحتجين على ما يجري في غزة بمهاجمة المحلات التي تبيع بضائع صهيونية في بعض المدن الغربية وغيرها.. العمل كان تراكمات من الانتصارات الصغيرة التي أحدثت تغيرًا نوعيًّا وملحوظًا في الرأي العام الغربي، هذا الجمهور "الرأي العام" دفع باتجاه محاسبة "إسرائيل" ونجدة الشعب المظلوم.
نزلت المسيرات الجرارة في معظم المدن الغربية، تحدثت شخصيًّا في بعض هذه المسيرات الأوروبية، ما هزني في هذه المسيرات وأثر فيَّ شخصيًّا إلى اليوم، ما شهدته من عدد غفير من الأطفال الأوروبيين في عرباتهم وعلى أكتاف آبائهم وأمهاتهم، ملتحفين بالأغطية والسترات الثقيلة، حيث كان البرد قارسًا والثلج يحط بكثافة، ولم يمنع ذلك الأمهات الأوروبيات من الزج بأطفالهن في مسيرات تصرخ للجم "إسرائيل" ومحاسبتها أمام المجتمع الدولي.
هذا المشهد تكرر في عواصم ومدن شتى حول العالم، في حين أن قوات أمن السلطة كانت تفتك بمسيرات الفلسطينيين في رام الله ونابلس والخليل.
هذا الجهد المُنظم الذي جسدنا فيه قدرتنا على التعامل مع المستويات الاجتماعية والصناعية (أوقفت إحدى شركات الاتصالات البريطانية تعاملها فورًا مع "إسرائيل" بعد هجومها على غزة، والغريب لم يُشجعها أحد أو تكافئها شركة عربية بالتعامل معها، إضافةً إلى رسالة صغيرة بالإنجليزية كتبتها ونشرتها أشكر موقفهم الأخلاقي فيها) والسياسية الصادقة أو ذات المعايير المزدوجة في فهم الشرعية الدولية.
أقدمَ الأفراد والجماعات المدنية على أخذ زمام المبادرة ضد المؤسسات والحكومات التي تُساند "إسرائيل"، وكنتيجةٍ لذلك فالحكومة البريطانية مُتهمة في المحاكم البريطانية الآن بأنها قامت بتزويد "إسرائيل" بأسلحة استخدمتها في حربها على غزة.
لو حسبنا على طريقة رجال الأعمال الوقت والجهد والمال الذي صُرف في هذه الحملات، وكم من رجال الأعمال الغربيين قاطع "إسرائيل" وبمقاطعتها خسر عوائد مالية تُعزز بقوة أعمالهم.. لكن، الموقف الأخلاقي لديهم تقدَّم على حسابات الربح والخسارة.
ماذا يعني قرار إدانة "إسرائيل"؟
قرار إدانة "إسرائيل" وقادتها أمام هذا المحفل الدولي لحقوق الإنسان، كان سيبدأ العد التنازلي في تحجيم وتقزيم "إسرائيل" فعلاً، كيف؟.. كان ذلك القرار سيساعد على شطب الصورة النمطية التي رسمتها الصهيونية لذاتها في العالم، إنها- أي الصهيونية- وإسرائيل الضحية المستديمة لكل الحضارات والديانات البشرية، إنهم مَن نجا من أفران الغاز الأوروبية، هذه الصورة النمطية تترتب عليها دعم مالي هائل مستمر، عقدة ذنب أوروبية غربية وعالمية يترتب عليها إعطاء وطن آمن لهم (فلسطين التاريخية) وتقديم كامل الحماية والعون الاقتصادي والتكنولوجي ضد المتطرفين البرابرة العرب والاستمرار بالتعويضات المالية كصك للغفران.
إدانة قادة "إسرائيل" كمجرمي حرب يدمر هذه الصورة، أي يعفي الجمهور الغربي الأوروبي من الاستمرار بالشعور بعقدة الذنب والدفاع عن الضحية اليهودية الصهيونية المتجسدة بـ"إسرائيل".. فك ارتباط معنوي ونفسي من عقد الذنب، انعكاسات ذلك الصناعية والتكنولوجية، والعلمية البحثية، التجارية والمدنية والاجتماعية، وحتى العسكرية هائلة، فاتحادات النقابات المهنية والعمالية والطلابية في الغرب وبالذات في بريطانيا وأيرلندا أخذت قرارات على مستوى المناطق والدول لسحب الاستثمارات ومقاطعة "إسرائيل" التجارية والصناعية والبحثية والعلمية.
إدانة "إسرائيل" كان سيطلق تطبيق هذه الحزمة من القرارات بسرعة فائقة، وهاتان الدولتان بالذات لهم تأثير ثقافي وحضاري متميز على الولايات المتحدة الأمريكية، إضافةً إلى اللغة والثقافة والقيم المشتركة فيما بينهم هناك 45 مليون أمريكي من أصول أيرلندية يرتبطون بقوة بالموطن الأم.
بعد اتخاذ وقبل اتخاذ هذه القرارات النقابية المهمة قدَّمت وفود أمريكية لبريطانيا وأيرلندا لثنيهم عن هذه الخطوة، كما أخبرني رئيس مجلس اتحاد النقابات الأيرلندية.
التطبيق في هاتين الدولتين سيطال الولايات المتحدة مهما طالت أو قصرت الفترة الزمنية؛ أي أنه عمليًّا سيشرخ العلاقة الإستراتيجية الأمريكية المدنية والاجتماعية والثقافية والصناعية بالتدريج، ومن ثم تجد مؤسسات الدولة بأنها مُرغمة على الاعتماد على ذاتها في إدارة مصالحها في المنطقة العربية، والبدء في إعادة صياغة علاقتها الإستراتيجية بهذا الكيان المكلف جدًّا أخلاقيًّا وماليًّا وشعبيًّا.
فلسطينيًّا: كان الكثير منا يدرك تمامًا بأن تحويل التقرير لمجلس الأمن كان سينال وسام الفيتو الأمريكي، هذا الفيتو كان سُيحرج إدارة المخادع أوباما، وهذا بحد ذاته عمل عظيم، يؤكد للمجتمعات الإنسانية حول العالم بأن الإدارة الأمريكية هي من يُحارب الشعب الفلسطيني بضغط المكبس الصهيوني، وبالتالي مزيدًا من التعرية والإحراج لسياساتهم العنصرية.
وعالميًّا: يؤكد جرم إسرائيل.. ماذا ارتأى مَن قام بهذا العمل التأجيلي الرهيب في اللامبالاة الوطنية والمغامر بالقضية الفلسطينية بشكل خطر إلى هذا الحد؟.. هذا العمل الكارثة آثاره المستقبلية وخيمة، فقدنا المصداقية أمام مَن نطلب العون منهم لإسنادنا، ومساعدتنا في طلب العدالة، انفض الكثير من الأصدقاء من حولنا، لن تثق فينا الحركات المدنية، الشعوب لا تفرق بين مدني فلسطيني أو رسمي فلسطيني، فقد ارتسمت صورة لنا بأننا لا نستحق العناء من أحد، المناصر والمتضامن البسيط لنا في شوارع العالم المنتفخة قضايا وتفاصيل، يرد على تبريرات السلطة، كيف ستنالون حريتكم إذا لم تستطيعوا الصمود أمام ضغوط سياسية.
مَن يحارب في سبيل حريته لينالها عليه دفع الثمن هكذا فعلت الأمم, فتنام أمام أمريكا، والجزائر أمام فرنسا، وأيرلندا أمام بريطانيا العظمى.. كلها كانت شعوبًا بسيطةً وحاربت قوى عظمى بزمانها، تعطيل هذا التقرير سيطيل لأجيال معارك نضالنا الوطنية، وسيعمق الشرخ الوطني القائم في فلسطين لزمن.
لجان التحقيق
تحدثت تقارير كثيرة عن أسباب شتى لما حصل، وهي اتهامات غاية في الخطورة، منها ما يشير لتورط فلسطيني بالتحريض على الحرب على غزة، كما قالت وسائل تلفزة صهيونية عن تحريض مباشر على الاستمرار بالحرب البشعة على غزة من قبل رئيس السلطة الفلسطينية، حتى تتضح الرؤية، يجب أن تتشكل لجنة مُستقلة حيادية لا تتبع أي جهة فلسطينية تتسلم ولو حتى دولارًا واحدًا من السُلطة أو من أي جهة تنوب عن السلطة.
لماذا: قصص لجان التحقيق الفلسطينية هذه كثيرة، تحقيقات المجلس التشريعي بفساد الوزراء وكبار موظفي السلطة، بدون طائل وفائدة. إلى قصة التحقيق بأموال منظمة التحرير والمال العام المسروق، إلى أكثرهم تحيرًا التحقيق في تسميم الشهيد ياسر عرفات. كما يقول أهلنا الصابرون المرابطون في غزة "موت يا كديش"؛ لذلك فلسطينيًّا التجارب عقيمة في هذا الشأن، فاللجنة التي أعلن عنها ياسر عبد ربه لن تجد مَن يستمع أو يحترم نقطة فوق حرف فيها.
تقرير القاضي ريتشارد جولدستين كان سيمُد عباس بشرعية شعبية ودولية، وكاد أن يزود قيادة السلطة، لو استمرت، بأوراق جديدة تُعززهم بأسلحة سلمية تفاوضية على طريقتهم الإستراتيجية بإدارة المُفاوضات وعملية السلام، أن صدقنا وجدها أصلاً.
كانت هذه فُرصتهم لأن ينطلقوا إلى وحدة الصف الفلسطيني والظهور بمظهر الممثل الشرعي لشعبِهم والمناضل في سبيل حقوقه، من خلال الشرعيات المُتاحة دوليًّا. أوشكت السلطة على أن تنال الاحترام والتقدير من العائلات الثكلى والمُشردة بفعل الحرب على غزة، كان هذا التقرير جسرها لتعبر إلى غزة، ورقة سياسية من الوزن الثقيل جدًّا.
التراجع الوطني
فلسطينيًّا، أحد أهم أسباب تراجعنا الوطني هو فقدان القيادة الواعية الحكيمة والجماعية، فالتفرد بالقرار، وعدم إشراك باقي الأطراف المناضلة الفلسطينية أو المستقلة، والمفكرين والمثقفين أو استشارة ومشاركة الدول الشقيقة الحريصة على مصالح الشعب العربي الفلسطيني، هو مرضنا المزمن.
القيادة الفلسطينية لدينا أصابها عمى ألوان وطني، وفقدت بوصلتها النضالية، انغماسها بصغائر الأمور والصراعات الداخلية، أعاد بها لعصر حروب الأندلس وصراعات المماليك. إن الخوف الكبير الذي يسكنني بعد هذا كله، أن يكون هذا نهج سياسي وأيديولوجي تكرس وترسخ وتورطت فيه السُلطة والفصائل المشاركة فيها وعلى رأسها حركة فتح. إدارتهم للصراع الوجودي بيننا وبين الكيان الصهيوني كلفنا الخسارة والكارثة تلو الأخرى.
فقد حان الوقت لكف أياديهم عن العبث بمصير الشعب الفلسطيني والإضرَار بالأمن القومي العربي، فتح مُطالبة بكشف كل الأوراق والملابسات مهما كانت مؤلمة، فتح هي المعنية بمحاسبة كل من تورط، لأنهم قيادتها. والتحقيق في ترخيص إسرائيل لشركة الهواتف (الوطنية) لنجل السيد محمود عباس، الذي تتحدث التقارير على أنه مكافأة، على سحب التقرير، ففتح أغلى علينا من كل السُلطات، وإلصاق هكذا جريمة بحركة فتح وقيادتها لهو كارثة وطنية ضخمة ستحطم الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها، فالتحركات العربية والشعبية الفلسطينية لمقاطعة السلطة ومنظمة التحرير على قدم وساق الآن، لن نخسر منظمة التحرير في سبيل هذه السلطة أبدًا.
--------
* مفكر عربي