![]() |
|
شعبان عبد الرحمن |
المسألة ليست من وحي الخيال، وإنما كل الأمور باتت معلنةً، ويتحدث بها كبار الساسة الصهاينة والإعلام الصهيوني بلا وجلٍ أو خجل، فقبل انعقاد المجلس بعشرة أيام (الثلاثاء 22/9/2009م)، كشف وزير الخارجية الصهيوني أفيجدور ليبرمان أن السلطة برئاسة عباس طلبت من الحكومة "الإسرائيلية" مواصلة الحرب على قطاع غزة حتى يتم القضاء على حركة حماس.
وقال ليبرمان في المؤتمر الصحفي الذي عقده بمشاركة رئيس الوزراء نتنياهو في نيويورك عقب انتهاء اللقاء الثلاثي بين "أوباما ونتنياهو وعباس": "نحن نتوقع من السلطة الفلسطينية أن تسحب الطلب الذي قدَّمته ضد "إسرائيل" إلى المحكمة الدولية في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد سكان قطاع غزة"، وقال في تلك التصريحات التي نشرها في اليوم التالي عددٌ من الصحف العبرية: إنه أبلغ الوفد الفلسطيني بهذا المطلب خلال اللقاء الثلاثي.
وأضاف: "قلتُ لأعضاء الوفد الذي يمثل السلطة الفلسطينية: إن السلطة الفلسطينية هي مَن مارست ضغوطًا على "إسرائيل" للذهاب حتى النهاية في الحرب على غزة في إطار عملية (الرصاص المصبوب)"، ولم ينفِ أي مسئول من السلطة لا "عباس" ولا غيره تلك الاتهامات الواضحة من وزير الخارجية، والتي نشرتها الصحافة الصهيونية على أوسع نطاق.
كما أن سلطة عباس لم "تنبس ببنت شفه" عندما كشفت وثيقة صهيونية رسمية في مايو الماضي- أُعدّت في مكتب وزارة الخارجية "الإسرائيلية"- عن دور السلطة الحقيقي خلال حرب غزة، مؤكدة وجود تنسيق أمني بين الاحتلال الصهيوني والسلطة وصل إلى حدِّ المشاركة العسكرية.
وفي رسالة له إلى المستشار القضائي للحكومة الصهيونية، أوضح رئيس هيئة الأركان "جابي أشكنازي" أن مشاركة السلطة كانت أمنية بالدرجة الأولى، ثم محاربة ميدانية مشتركة بالدرجة الثانية خلال عملية (الرصاص المصبوب)، مؤكدًا أن الجيش والسلطة عملا جنبًا إلى جنبٍ ضد فصائل المقاومة بغزة خلال الحرب.
أمام ذلك السيل من الحقائق المخزية، لا نبالغ إذا قلنا: إن سلطة "عباس" هي التي وقفت سدًّا منيعًا أمام قرار إدانة الكيان الصهيوني، ودعنا من حكاية "الضغط الأمريكي"، أو أسطوانة "إفساح المجال أمام مفاوضات السلام"، وأعتقد أن الموضوع لن يُطرح مرةً أخرى في جلسة المجلس في شهر مارس عام 2010م!!.
ومن المفارقات الغريبة في تلك القضية، أن 33 دولةً من أصل 47 عضوًا بمجلس حقوق الإنسان كانت مستعدةً للموافقة على التقرير، لكن مندوب السلطة في المجلس "خذل" هذه الدول، ومن المفارقات أيضًا أن الاحتجاجات على قرار السلطة بسحب طلبها قوبل باحتجاج 40 منظمةً أوروبيةً في أنحاء القارة الأوروبية، ووصفت ذلك في بيانٍ لها: بأنه "ضربة في الصميم للجهود التي بذلتها اللجنة الدولية وللتحركات التي قامت بها مختلف منظمات حقوق الإنسان لفضح جرائم الاحتلال ضد الإنسانية".
بينما التزم النظام العربي بالصمت المريب، مثلما هو حادث مع الحرب الإجرامية الدائرة على المسجد الأقصى!.
إنها مواقف "عار"، لكن تقابلها مواقف ولحظات "انتصار" يسطرها الذين باعوا أنفسهم لله ويمضون في طريق الجهاد والاستشهاد، ويبدو أننا يمكن أن نكتب تحت هذا العنوان (العار.. والانتصار) في الأيام الطويلة المقبلة العديد من التحليلات، فقد أصبحنا واقعين في أتون الصراع بين "العار" وأهله من الذين غرقوا في وحل الاستسلام والانهزام واستمرءوا الركوع تحت أقدام شرِّ خلق الله من بني صهيون.. بينما تحلّق تباشير "الانتصار" بين الحين والآخر تبدد كوابيس الإحباط التي باتت غاراتها لا تتوقف في هذا الزمن، وقد كان يوم الجمعة (2/10/2009م) مناسبة لواحدة من وقائع الصراع بين "العار" و"الانتصار"، فبينما كانت الأعناق تشرئب في اعتزاز وترتفع الرءوس في شموخ في الساعة الثانية عشرة وأربعين دقيقة بعد صلاة الجمعة (بتوقيت الكويت)، وهي تتابع عملية تحرير تسع عشرة أسيرة فلسطينية من بين أنياب الأفعى الصهيونية مقابل دقيقة واحدة من شريط فيديو للجندي الأسير "شاليط"، فاجأت السلطة العالم الإسلامي بموقفها من تقرير "جولدستون".
نحن أمام مشروعين: مشروع "جهاد" حتى النصر أو الشهادة، ومشروع "انبطاح وخزي وتسليم".
ونحن أمام تيارين: تيار عُرف طريقه جيدًا لتحرير فلسطين، وتيار عقد صفقته الخاسرة لبيع فلسطين.. ولذلك، سنظل نتابع بين الحين والآخر مواقف "عار"، ونعيش في نفس الوقت لحظات "انتصار"، والبقاء للأصوب ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17).
---------
* كاتب مصري- مدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية
