الصورة غير متاحة

 د. حلمي محمد القاعود

 

قالت الأخبار إن فضيلة الشيخ عكرمة صبري مفتي القدس السابق ورئيس الهيئة الإسلامية العليا بالقدس وخطيب المسجد الأقصى؛ أكد أن الاقتحام الصهيوني الأحدث لثاني القبلتين الذي تمَّ يوم 27 سبتمبر 2009م، هو خطوة جديدة ضمن المخطط الصهيوني الساعي لتقسيم المسجد الأقصى الشريف بين المسلمين واليهود.

 

وقال الشيخ عكرمة صبري: إن المخطط الصهيوني يهدف لفرض أمر واقع من خلال تكرار اقتحام المتطرفين اليهود للمسجد الشريف وأداء صلواتهم داخله؛ تمهيدًا لمقاسمة المسلمين فيه على غرار ما فعله الصهاينة مع الحرم الإبراهيمي في الخليل الذي استولوا عليه، وصار المسلمون الآن يسيطرون على مساحات ضئيلة منه لا تزيد عن 10%.

 

وأضاف صبري الذي يخطب بالمسجد الأقصى أن أهل مدينة القدس قرَّروا- بمجرد علمهم بالاقتحام الصهيوني الجديد لحرم المسجد الأقصى- منع اليهود من تدنيسه بأي شكل، وهو ما حدث بالفعل يوم 27 سبتمبر المذكور الذي يعد بمثابة عيد للقدس، تفخر فيه بأبنائها الذين لن يتوقفوا عن التصدي للمخططات الصهيونية، مهما كلفهم ذلك من تضحيات.

 

وأدان الشيخ عكرمة الصمت العربي تجاه الاقتحام الصهيوني الجديد للمسجد الأقصى، قائلاً: "نحن لا نعوِّل على الأنظمة العربية"؛ لأنها "تخضع للنفوذ الأمريكي"، وشدَّد على أن أهل القدس مصمِّمون على الاعتماد على أنفسهم في حماية المسجد الأقصى، ومواصلة تقديم قوافل الشهداء؛ من أجل منع اليهود من الصلاة فيه، ومقاومة مخطط تقسيمه.

 

والكارثة الحقيقية اليوم أن القدس يتمُّ تهويدها علنًا وعلى رءوس الأشهاد، وبالمخالفة لكل القوانين الدولية والمواضعات الإنسانية، والعرب الأشاوس والنشامى مشغولون بأمور أخرى؛ أهمها إذلال شعوبهم وتشديد القبضة على مواطنيهم، وحرمانهم من التظاهر من أجل القدس أو فلسطين، أو الاحتجاج على أوضاعهم المتردية، والأبواق الحكومية العربية حريصة على الدعوة المباشرة وغير المباشرة للاستسلام للغزاة النازيين اليهود، والتأكيد على استحالة مواجهتهم عسكريًّا أو سلميًّا، والترويج لمقولات الصهاينة ومصطلحاتهم، بل والدعوة إلى التطبيع معهم، ونسيان الحقوق والدماء التي سالت على أيديهم وبأسلحتهم، ولا تسمع من حكومة عربية أو بوق حكومي عربي أي احتجاج أو غضب على زرع القدس أو فلسطين بالمغتصبات التي يسمونها "مستوطنات"، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، واعتقال أبنائها، وقتل شبابها، وحصار القطاع، وتجويع أهله، وتدمير اقتصاده، وحرمان أهل فلسطين من العلاج والدواء!.

 

كل ذلك يتمُّ والأنباء تتطاير عن التطبيع العلني والخفي، وتسمع عن مقايضات طريفة وعجيبة بين الكيان الصهيوني الغاصب وما يُسمى "حكومة رام الله"، من قبيل ضرورة الموافقة الفلسطينية على يهودية دولة الغزو الصهيوني، مقابل الحصول على شبكة اتصالات للهاتف المحمول في الضفة الغربية!.

 

وهي مقايضات يطرح مثلها العدو الصهيوني على القادة العرب؛ كي يأخذ ما يريد دون أن يعطي أي شيء، والحكام العرب يظنون بالعدو الصهيوني الدموي خيرًا، ومسئولوهم وأبواقهم يفتحون له الأبواب الأمامية والخلفية؛ ليخترق الإعلام والصحافة والثقافة والجامعات والاقتصاد والتجارة والسياحة والطيران...

 

في الوقت الذي يُذاع فيه ويُنشر مثلاً أن مشروعًا لبناء ما لا يقل عن ‏14‏ ألف وحدة سكنية استيطانية في منطقة قرية ولجة جنوب شرقي مدينة القدس سيُطرح خلال الأسابيع القليلة المقبلة على مائدة مكتب التنظيم اللوائي بوزارة الداخلية الصهيونية وسلطات التنظيم المحتلة في بلدية القدس للتصديق عليه.

 

وذكرت صحيفة (معاريف) الصهيونية أن مساحة الحي الجديد ثلاثة آلاف دونم (= ألف فدان تقريبًا)، ومن المقرر أن تتسع لاستيعاب ما لا يقل عن‏40‏ ألفًا من السكان اليهود الغزاة الغاصبين‏.‏

 

ويبدو أن الحكام العرب حريصون على عدم إغضاب السادة اليهود الغزاة، ولو بمجرد الكلام، وقد نفهم ذلك من تهديد قائد جيش الغزاة القتلة لإيران؛ حين خيَّر رئيسها أحمدي نجاد بين مصير صدام حسين الذي تمَّ إعدامه يوم عيد، وبين العقيد القذافي الذي استسلم للإرادة الاستعمارية الصليبية الصهيونية ودمر مفاعلاته الذرية!

 

لقد أكد رئيس أركان جيش العدو الصهيوني جابي أشكنازي أنه يجب على العالم أن يخير الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بين موقف الزعيم الليبي معمر القذافي، أو مصير الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

 

ونقلت صحيفة (معاريف) "الإسرائيلية" عن أشكنازي قوله: "على العالم أن يعطي الآن أحمدي نجاد الفرصة للاختيار بين موقف القذافي أو مصير صدام حسين"، في إشارة إلى الحوافز التي اكتسبها القذافي جرَّاء تفكيكه لبرنامجه النووي عام 2003م ومصير الإعدام الذي لقيه صدام بعد الغزو الأمريكي لبلاده في العام نفسه.

 

ومن جهتها، ذكرت صحيفة (يديعوت أحرونوت) أن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أجرى اتصالات هاتفية مع عدد من كبار أعضاء الكونجرس الأمريكي؛ بما فيهم رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي وزعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتشل ماكونيل أكد لهم فيها ضرورة التصدي فورًا للمشروع النووي الإيراني.

 

والسؤال هو: لمَنْ الجيوش العربية الجرارة؟ ولمن الميزانيات العسكرية الهائلة التي يخصصها الحكام العرب سنويًّا؟ ولمَنْ أحكام الطوارئ وقوانين الإرهاب، والميليشيات التي تقوم بقمع الشعوب وقهرها.. بينما القدس يضيع وفلسطين تهود والذل يسيطر على المسلمين في كل مكان؟

 

متى يترك الحكام العرب والمسلمون شعوبهم تواجه أقدارها، وتتعامل مع القتلة بما يستحقون؟ إن منظمة حماس وحزب الله اللبناني، بإمكاناتهما المحدودة استطاعا أن يرغما القتلة على الاستماع لهما، والاعتراف الواقعي بوجودهما، وانتظار ما يصدر عنهما؛ لأن القتلة يعرفون جيدًا أن المنظمتين المقاومتين جادتان، مع أنهما لا تمتلكان طائرات ولا دبابات ولا مدفعية طويلة المدى، فلماذا لا يتكلم الحكام العرب، ولماذا لا ينطقون سياسيًّا ودبلوماسيًّا؟ ولماذا يخضعون لأمريكا كما أشار الشيخ عكرمة صبري؟

 

لا شك أنه سيأتي اليوم الذي تتحرك فيه الشعوب العربية المنكوبة، وتقرر مصيرها بيدها، وتلقن القتلة الغزاة اليهود الدرس، أو نهاية الدرس!

 

﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾ (المائدة).

---------

* drhelmyalqaud@yahoo.com