أنشودة قديمة كنا نردِّدها ونحن في المرحلة الابتدائية، بعد حرب سبعة وستين وأثناء حرب الاستنزاف؛ حتى إننا كنا ننشدها في طابور الصباح "خلي السلاح صاحي صاحي صاحي.. لو نامت الدنيا صحيت مع سلاحي.. سلاحي في إديّا نهار وليل صاحي.. ينادي يا ثوار عدونا غدّار خلي السلاح صاحي صاحي..".

 

ولكم كانت هذه الأنشودة تملك علينا مشاعرنا وعواطفنا، وتبلغ بنا حد الانفعال ونحن ننشدها؛ حتى يود الواحد منا أن يمتلك سلاحًا يضعه تحت سريره ليدفع به غائلة العدو الصهيوني الأثيم، خاصةً بعد أن قام بقتل أقراننا من تلاميذ مدرسة بحر البقر الابتدائية بمحافظة الشرقية؛ لذلك لم يكن غريبًا علينا فعل هذا المعتدي المجرم عندما قتل المدنيين العُزَّل قي قانا في جنوب لبنان، وقتل الأطفال في غزة وهم يحتمون داخل وكالة الغوث الدولية "الأونروا"، فهو عدو لا يعرف عنه الرحمة أو الضمير، ولا يراعي أي عرف من الأعراف الدولية أو الإنسانية.

 

وهنا يغمرني سؤال.. هل معنى "خلي السلاح صاحي" ما زال موجودًا في وجدان أمتنا؟ أم إننا تناسينا هذا العدو الغدار الذي ما زال يقتل فينا وفي جنودنا على الحدود معه، وما زال يقتل في إخواننا في فلسطين ولبنان؟ فإذا كان هذا المعنى غير موجود؛ فلا بد من أن يبرز ثانيةً إلى حيز الوجود حتى لا يأتي زمان لا ينفع فيه الندم.. فإن دولة مثل أمريكا تحرص دائمًا على أن يكون لها عدو تعلن عنه حتى تستثير في وجدان شعبها ضرورة الاستعداد الدائم والمستمر لما قد يتهددها من أخطار، فبدأت بالخطر النازي متمثلاً في هتلر وأتباعه، ثم الخطر الأحمر متمثلاً في الاتحاد السوفيتي وحلفه، ثم ها هي تتحدث عن الخطر الأخضر متمثلاً في العالم الإسلامي وما قرنته به من إرهاب.. فما بالنا ونحن يتهددنا الخطر من كل جانب ألا نكون مستعدين وأن نجعل السلاح "صاحي".. وإذا كان معنى يقظة السلاح موجودًا فإنه يحتاج إلى أمور ينبغي تدبرها. 

 

فكي نحقق معنى خلي السلاح صاحي لا بد بداية أن يكون لدينا سلاحًا عصريًّا نملكه، وقبل أن نملكه لا بد من أن يكون من صنع أيدينا، لا أن ننتظر أن يمن علينا الأمريكان أو الروس أو غيرهم بأن يعطونا فضالة ما عندهم من سلاح، في حين أنهم يقومون بتزويد الكيان الصهيوني بآخر ما وصلت إليه الترسانة العسكرية عندهم من تقدم، ويا ليت الأمر يقف عند هذا الحد بل إن هذا الكيان يقوم بتطوير هذه الأسلحة؛ حتى قام بإنتاج الدبابة "الميركافا" وغيرها، وقام بإنتاج سلاح الردع المطلق "السلاح النووي"، والذي هدد به صراحةً وزير خارجية الكيان الصهيوني الحالي "ليبرمان"، في وقتٍ مضى بأنه قد يضرب به السد العالي لإغراق مصر.. هذا في الوقت الذي ما زلنا نبحث فيه عن مكان لإنشاء محطة نووية لإنتاج الطاقة للأغراض السلمية.. وقد يتساءل المرء ماذا أنتجنا نحن؟!!

 

وحتى يصبح معنى خلي السلاح صاحي حقيقة نعيشها، لا بد من تدريب أبناء هذا الشعب على كيفية استخدام هذا السلاح والاطمئنان على ذلك؛ سواء من بقي منهم في قواتنا المسلحة أو من خرج إلى الحياة المدنية لينضم إلى صفوف الدفاع المدني، كان ذلك واضحًا عندما كان التجنيد إجباريًّا لكل فئات الشعب، كان المجتمع مدربًا على مقاومة أي اعتداء خارجي، ولقد رأينا ذلك جليًّا أثناء قيام أبناء بورسعيد بمقاومة العدوان الثلاثي في عام 56، ثم قيام شعب السويس بمقاومة العدو الصهيوني أثناء حادثة الثغرة في حرب 73 المباركة، أما واقعنا الحالي ينبئ أن كثيرًا من الناس يودون تخطي مرحلة التجنيد الإجباري هذه، وهذا أمر محفوف بالمخاطر، ففي الوقت الذي يجند فيه الكيان الصهيوني كل مجتمعه رجالاً كانوا أو نساءً، شبابًا كانوا أو شيوخًا، نجدنا نتجاوز دفعات كبيرة من الشباب، دون أن يعلموا شيئًا عن الجندية أو المقاومة أو الكفاح. 

 

إن الناظر في تاريخ الأمة الإسلامية لا بد وأن يقف أمام هذه الحادثة في عمر التاريخ الإسلامي وقفة متأمل، وذلك عندما أراد التتار غزو الأمة الإسلامية، قام الطابور الخامس داخل دولة الخلافة وعلى رأسه الوزير المؤيد بالله ابن العلقمي بالإشارة على الخليفة بأننا لسنا في حاجةٍ إلى هذه الأعداد من الجند داخل دولة الخلافة؛ حيث إن الجو العام يسوده السلام والأمان، وأن الجند يستنزفون موارد الدولة، وعليه فلا بد من خفض عدد جيش الخلافة من مائة ألف مقاتل إلى عشرة آلاف مقاتل، وهي الفرصة التي كان ينتظرها التتار لينقضوا على دولة الخلافة، ويأتوا فيها على كل أخضر ويابس، فقتلوا مليونين من أهل العراق في أربعين يومًا؛ حيث لم تكن هناك مقاومةٍ تُذكر لا من الجيش ولا من الشعب؛ حتى إن الجندي التتري كان إذا أراد أن يقتل واحدًا من الشعب وليس معه ما يقتله به يقول له انتظرني حتى آتي بالسيف والنطع، والغريب في ذلك أنه من شدة الخوف كان ينتظره حتى يأتيه فيقتله في حالةٍ من الاستسلام ليس لها مثيل.

 

إذًا أيها الأحباب.. وجب أن نجعل السلاح "صاحي".. وجب على الأمة أن تعد نفسها لذلك، وأن نتذكر قول ربنا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60)، فمجرد إعداد القوة يدفع عنا تهديد عدونا، وتنمره بنا واستئساده علينا، ونحمي بذلك أهلنا وأولادنا وبلادنا وأمتنا، ونحيا حياة عز لا حياة ذل، فيصبح قرارنا من رأسنا وأكلنا من فأسنا، إذًا فمرحى مرحى بـ"خلي السلاح صاحي".. حتى يتحقق فينا قول الله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4)﴾ (قريش).