![]() |
|
د. جابر قميحة |
كان تركيز حركات التبشير على إفريقيا بصفة خاصة؛ لأنها القارة المظلمة أو السوداء كما يطلقون عليها، والوثنية فيها أكثر انتشارًا من غيرها، واستجابة الوثني للتبشير أسهل- ولا شك- من استجابة المسلم، فالوثني ليس صاحب عقيدة لها منطقها القوي الذي يدفع به عقيدة أخرى، أو يغلق نفسه عنها.. إنه في نظر المبشرين إنسان جاهز، أو مفرغ من الداخل، واستعداده لتقبل النصرانية قد يكون أكبر بكثير من استعداد غيره.
ومن الإحصائيات الصارخة أن عدد المعاهد التعليمية التي أنشأها المبشِّرون في إفريقيا يبلغ 16671 معهدًا، أما الكليات والجامعات فتبلغ 500 كلية وجامعة، ويبلغ عدد المدارس اللاهوتية لتخريج القسس والرهبان والمبشِّرين 489 مدرسة، أما رياض الأطفال فيتجاوز عددها 1113 روضة، ويبلغ عدد أبناء المسلمين في هذه المؤسسات والمعاهد والذين يخضعون لهؤلاء المبشرين أكثر من خمسة ملايين.
وفي بلد مثل أوغندا نجد أن هناك 55 مدرسة ثانوية تديرها الكنيسة إدارةً مباشرةً، بينما لا يدير المسلمون سوى خمس مدارس فقط.
وفي تنزانيا هناك أربعٌ وعشرون مدرسة ثانوية تابعة للكنيسة، أما المسلمون فلديهم ثلاث مدارس لا غير، وفي جامعة "دار السلام" لا يتجاوز عدد الطلاب المسلمين مائة طالب، بينما يقدَّر عدد طلاب الجامعة بثلاثة آلاف طالب.
واتجه الاستعمار إلى مؤسسات التعليم فأعطاها للكنيسة والإرساليات، فالاستعمار البرتغالي مثلاً عقد في عام 1940م اتفاقيةً مع الفاتيكان؛ أصبح الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية بموجبها يسيطران على التعليم كله في موزمبيق.
والأمر نفسه حصل في جنوبي السودان؛ ففي سنة 1904م عندما زار "ونجت باشا" حاكم السودان العام مدينة "واو" التي تعتبر عاصمة إقليم بحر الغزال في الجنوب توقَّف عند مدرسة "واو" الابتدائية وكتب تقريرًا ضمنه الملاحظات الآتية:
"ولقد لاحظت في زيارتي للمدرسة تعدُّد الجنسيات فيها- أي القبائل- وكذلك الدين، وأن الطلبة كلهم يتكلمون العربية إلى جانب اللهجات المحلية، ومعنى ذلك أنهم سيعتنقون الإسلام، ولا شك أنهم اعتنقوه بعد دخولهم المدرسة، وإذا استمر الحال على هذا المنوال فسوف تخرِّج المدرسة تلاميذ يتحدثون العربية، ويدينون بالإسلام، ولا يحسنون لغتنا، وهذا أمرٌ مرفوضٌ تمامًا"، وأمر بإغلاق المدرسة.
**********
ولا شك أن غياب الوعي الإسلامي الصحيح، وضعف القيادات العلمية الإسلامية عن بيان حقيقة الإسلام وأثره، واستمرار غلق باب الاجتهاد؛ لعب دورًا بارزًا في إحداث الفراغ الذي ملأه أعداء الإسلام، مستغلين التعليم إلى أقصى مدى، وإلى هذه الخطورة أشار الشاعر "أكبر الإله آبادي" بقوله: "يا لغباء فرعون الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات، وقد كان ذلك أسهل طريقة لقتل الأولاد، ولو فعل ذلك لم يلحقه العار وسوء الأحدوثة في التاريخ.
ولكن الذي فات فرعون موسى لم يفت فراعنة المبشِّرين في العصر الحديث، وللأسف كانت مساهمة المسلمين- بالوعي أو باللا وعي- عاملاً قويًّا في تمكين هؤلاء من أداء رسائلهم الشيطانية في نخاع الدول الإسلامية.
وتلطمنا إحصائية أشدُّ وأنكى مما قدمناه، ومسرحها (باكستان المسلمة)، وخلاصتها أن أغلبية الطلبة في المدارس التبشيرية من المسلمين؛ إذ تزيد نسبتهم على 85% من عدد الطلاب، وزيادة على ذلك تمارس الهيئات التبشيرية في باكستان أساليب أخرى في كبريات المدن مثل "كراتشي" و"لاهور"، وهو ما يمكن أن نسميه بغزو المطبوعات؛ حيث يباع في الشوارع والحارات والمنازل والمدارس ووسائل المواصلات "كيس بلاستيك" فاخر بداخله عشرة كتب، وحتى يُقبل المسلمون على شراء هذه المجموعة الفاخرة جعلوا لكل من الكتابين الموضوعين في أعلى الكيس وأسفله عنوانًا يشبه "النموذج الإسلامي"، أو على الأقل لا يوحي بالفكر المسيحي، مثل "الإيمان والعمل"، و"زهور المعرفة"، وثمن المجموعة كلها روبية واحدة (أي ما يساوي عشرة قروش مصرية)، فإذا ما اشترى المسلم هذه الكتب على أمل أن يجد فيها ما توحي بها عناوينها الظاهرة وجد أن بقية الكتب أناجيل، واقتباسات من التوراة، وغير ذلك من الكتب المسيحية.
**********
أما المقررات المدرسية والجامعية فتعتمد على كتب تفيض بالأباطيل، وتشويه صورة الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فمن هذه الكتب المقررة كتاب باسم "البحث عن الدين الحقيقي" تأليف "المنسيور كولي"، وقد نال هذا الكتاب المقرر على الطلاب رضا البابا "ليون السادس عشر"، ونعرض فيما يأتي عبارات مما جاء في صفحة واحدة منه:
"في القرن السابع للميلاد برز في الشرق عدوٌّ جديدٌ؛ ذلك هو الإسلام الذي أسِّس على القوة، وقام على أشدِّ أنواع التعصب.. لقد وضع محمد السيف في أيدي الذين اتبعوه، وتساهل في أقدس قوانين الأخلاق، ثم سمح لأتباعه بالفجور والسلب، ووعد الذين يهلكون في القتال بالاستمتاع الدائم بالملذات".
وكتاب آخر يُدرس في الصف الرابع من المدارس اللبنانية، ومما جاء فيه من الأباطيل:
(ص 31): "واتفق لمحمد في أثناء رحلاته أن يعرف شيئًا قليلاً من عقائد اليهود والنصارى، ولما أشرف على الأربعين أخذت تتراءى له رؤى أقنعته بأن الله اختاره رسولاً".
(ص 32): والقرآن مجموعة ملاحظات كان تلاميذه يدونونها، بينما كان هو يتكلم، وقد أمر محمد أتباعه أن يحملوا العالم كله على الإسلام بالسيف إذا اقتضت الضرورة".
(ص 36): "وبينما كان محمد يعظ كان المؤمنون به يدونون كلماته على عجل".
(ص 126): "ودخلت فلسطين في سلطان الكفرة منذ القرن السابع للميلاد".
**********
وفي نفس المجال- استغلال التعليم كآلية من آليات أعداء الإسلام لمصلحتهم, وتخريب العقول والمثاليات الإسلامية- نواجه معروضًا ماسونيًّا روتاريًّا جديدًا اسمه بعثات السلام، وقد أعلنت عنه مجلة الروتاري:
منحة من جورجيا لطالبة في مصر: وجه الروتاريون في ولاية جورجيا الأمريكية الدعوة إلى الروتاريين في مصر لإيفاد أحد الطلاب للدراسة في منحة لمدة سنة هناك، وتقدم هذه المنحة من أجل تدعيم التفاهم الدولي والسلام بين الشعوب عن طريق التعارف.
وتوالت الإعلانات في الصحف المصرية، وأوفدت أعداد كبيرة من هذه البعثات، وهناك ملاحظات تتعلق بهذه البعثات يضعها موضع الشبهة والاتهام، منها:
أ- حدَّد الروتاريون الهدف الأساسي من هذه البعثات، وهو تدعيم التفاهم الدولي والسلام بين الشعوب عن طريق التعارف.
ب- نص الإعلان عن هذه المنح على أنها لا تستهدف الحصول على درجات علمية للموفدين.
ج- الإعلان المنشور اشتمل على ثلاثة رموز ماسونية، هي:
- رسم اليدين المتصافحتين.
- السنبلة.
- رأس الإنسان بشكل شمس مشعة.
ويقول الأستاذ أبو إسلام أحمد عبد الله: "ولا تفسير لاشتمال الإعلان على هذه الثلاثية الماسونية أن ثلاث جمعيات مختلفة من جمعيات الماسونية لكل واحدة منها شعار من الثلاثة اتفقت فيما بينها متعاونةً على تنظيم هذه المنح والإنفاق عليها.. إن منح السلام الروتارية تتمثل في عملية غسيل المخ التي يتعرَّض لها المرشح لهذه المنح، والتي لا تستهدف الحصول على درجات علمية، وإنما هي تدريب وتربية كوادر شابة، تستطيع النهوض برسالة الروتاري.
**********
وإذا نظرنا إلى الأجناس الأدبية من شعر ونثر، وجدناها من قديم توظَّف بالدعوة إلى الأديان، والمذاهب الدينية، والقومية، والسياسية، كل هذا معروف ومسلَّم به، ولكن هناك "وعاءً لغويًّا معرفيًّا" هو "المعجم، يدخل بداهةً في مجال التأليف العلمي الذي يلزم الحياد من جهة وصحة المادة المعروضة من جهة ثانية، ودقة الأداء والتعبير من ناحية ثالثة، بعيدًا عن الانطباعات العاطفية والحماسة الدينية والدعاية المذهبية، ولكننا وجدنا معجمًا حديثًا ضخمًا له شهرة واسعة هو "المنجد" لم يلتزم بهذه البديهيات، كما شرح الدكتور إبراهيم عوض في كتابه "النزعة النصرانية في قاموس المنجد".
و"المنجد" معجم وضعه عام 1908 راهب نصراني هو الأب لويس معلوف اليسوعي، ووضع قسم الإعلان منه راهب نصراني آخر هو الأب "فرناند تول" اليسوعي، وطبعته المطبعة الكاثوليكية، وأغلب الذين قاموا على تحرير مواده اللغوية والعلمية من النصارى، مثل كرم البستاني، والأب اليسوعي بوليس موتارد، وعادل إنبوبا، وأنطوان نعمة، وبولس براورز، وسليم دكاش، وميشال مراد وغيرهم.
والطوابع التبشيرية النصرانية كما تعقَّبها الدكتور إبراهيم عوض جاءت أحيانًا على حساب الحقائق العلمية، وأحيانًا على حساب الدين الإسلامي، وفي ذلك ما فيه من التزييف والتضليل، ومن أمثلة ذلك:
1- فهو يغفل البسملة، ولا يصف القرآن الكريم كما يصف الكتاب بالمقدس، ولا يشير نهائيًّا إلى الأحاديث النبوية ولا السيرة النبوية.
2- ولم يعتبر أيوب وسليمان وداود ونوحًا ولوطًا أنبياء، بينما يعتبر لقمان نبيًّا، على عكس ما يرى القرآن.
3- ويصف "نشيد الأناشيد" بأنه سفرٌ يتغنَّى بالحب والجمال في نزعة صوفية، مع أنه نصٌّ من الغزل الحسي الفاحش، ولا يمكن أن يكون من عند الله أو جاء على لسان نبي.
4- ويتحدث عن الأخطل الشاعر الأموي بأنه ذو الصليب الأخطل الشاعر النصراني، مع أنه لقب غير معروف للأخطل.
5- ومن كفرياته قوله في مادة "جسد" سر التجسد، سر اتخاذ السيد المسيح كلمة الله طبيعته البشرية، يقصد أن له عليه السلام طبيعتين: طبيعة إلهية، وطبية بشرية بعد تجسده ونزوله من علياء ألوهيته، ليولد من رحم مريم عليها السلام، ويموت على الصليب، وبذلك يتم فداؤه البشر من خطيئة أبيهم آدم(!!!!!).
6- وهو يشرح المصطلحات الدينية بمفهومها النصراني، مسقطًا من حسابه مفهومها في الإسلام، وكأن المعجم اللغوي العربي صنع للنصارى فقط.
**********
وفي مقام التعريف بالشخصيات نكتفي بمثال واحد، وليكن نوبار باشا يكتب عنه المنجد: "سياسي مصري، أرماني الأصل، عمل على تحرير بلاده من السيطرة العثمانية، وسعى في شق ترعة السويس، وفي تنظيم القضاء"، مع أن المعروف تاريخيًّا أنه أجنبي نصراني، كان عميلاً للاستعمار الإنجليزي، وتولَّى رياسة الوزارة في حقبة سوداء من تاريخ مصر.
**********
وبصماته العلمانية في التعليم أوضح من أن نتوقف عندها طويلاً، والفاعل الأصيل هنا ليس مستشرقًا، ولا مبشرًا، ولا أجنبيًّا، بل هو مسلم من جلدتنا، ويتكلم لساننا، ولكنه ينفِّذ- بالوعي أو باللا وعي، بالإرادة الحرة، أو بالتسيير الفوقي، أو تأثرًا بالجو المكروب السائد- سياسةً تعليميةً تكاد تدور في فلك السياسات التبشيرية، والمجال يتسع لكلام كثير جدًّا، ولكني أجتزئ بالإيجاز عن التفصيل:
1- مادة التربية الدينية لا يختلف اثنان على أهميتها معرفيًّا وتربويًّا وسلوكيًّا على مستوى الفرد، والأسرة، والمجتمع، ونبحث عن "موقع هذه المادة في مناهج جمهورية مصر العربية" فنجد أن جهودًا صادقةً قد نجحت في اعتبار التربية الدينية "مادةً أساسيةً"، وأنها مادة نجاح ورسوب، ولكنها لا تضاف لمجموع الدرجات في الشهادات العامة، كالتاريخ ، والجغرافيا، والكيمياء، والطبيعة، والرياضيات... فما قيمة "الأساسية" هنا؟! وقد كان لكاتب هذه السطور مناقشات طويلة مع "كبار مسئولين"، وفي حوار مفتوح طرحت السؤال التالي:
لماذا لا تطبق الأساسية على مادة التربية الدينية بمفهومها الدقيق؟ ومن مستلزمات ذلك إضافة درجة التربية الدينية على مجموع الدرجات في سنوات النقل، والشهادات العامة؛ حتى يشعر الطلاب بجدية وصف "الأساسية" التي توصف به المادة، وحتى يشعر الطلاب بأن وراء مجهودهم المبذول عطاءً منصفًا، يرجح كفتهم إن صدقوا في بذل هذا المجهود.
وكان الجواب أو الاعتذار غريبًا، وخلاصته:
1- أن "أساسية" مادة الدين الإسلامي لا تتمثل في درجة تُمنَح، ولكن في تركيز الأساتذة على السلوكيات، والجوانب العملية في نطاق المدرسة؛ بحيث يكون المدرس رافدًا دينيًّا لطلابه.
2- لو أضيفت الدرجة إلى المجموع لتفوَّق الطلاب الأقباط على المسلمين؛ لحصولهم على درجات أعلى؛ وذلك لتعاطف الأساتذة الأقباط الذين يقدِّرون الدرجات مع أبناء دينهم، زيادةً على السهولة المفرطة التي يتسم بها مقرر التربية الدينية المسيحية.
وهما دليلان أو دفاعان لا يصمدان أمام العقل:
1- فتمثل الدين في السلوكيات العملية لا يتعارض، ولا يمنع من تقدير درجة لها قيمتها، تضاف إلى مجموع درجات الطالب، وليجعل جزءًا من هذه الدرجة (ربعها مثلاً) على سلوكيات الطالب في المدرسة.
2- وأما الدفاع الثاني فيمثل تأثرًا صامتًا، أو استجابةً غير مباشرة؛ لما يحرص العلمانيون والمستشرقون والمبشرون عليه من عزل ديننا، بمفاهيمه الحية، عن واقع حياتنا، واستهانة الطلاب والشباب به علمًا وقيمًا.
3- وحتى لو صح الدليل الثاني- وهو مجرد احتمال- فإني على يقين من أنه لن يتحقق إلا لعام واحد، وامتحان واحد، وبعدها يكون الطلاب المسلمون على يقين من أن هناك جديةً في تقدير درجاتهم، فيأخذون المسألة مأخذ الجد والاهتمام، إن لم يكن بدافع عاطفة دينية قوية، فبدافع الحرص على تحصيل درجة قيمة تضاف إلى مجموعهم.
4- وأخيرًا.. لن يعدم المسئولون من رجال التعليم الأقباط من يتابع ويراجع تقدير درجات الطلاب الأقباط بنزاهة وجدية، بعيدًا عن المجاملة والمحاباة، وخصوصًا إذا وضعت قواعد وضوابط صارمة يكون من الصعب تخطيها ومخالفتها.
--------------------
