أثار البرادعي فتح الملف مرة أخرى عندما صرَّح في أوائل الأسبوع الثاني من أغسطس 2009م بأنه نادم على أنه سكت على الغزو الأمريكي للعراق، ولعله من المفيد للحاضر والماضي أن نسجل عددًا من الملاحظات بصدد هذه القضية الخطيرة.
الملاحظة الأولى هي أن الجميع بمن فيهم البرادعي وأعضاء مجلس الأمن الدائمين على الأقل كانوا يعلمون أن واشنطن تعد العدة لغزو العراق؛ ولكنها تبحث عن حيثيات ووثائق تستند إليها في هذا القرار، وكانت البداية الفعلية في خطة الغزو وأدواته القانونية؛ هو قرار مجلس الأمن رقم 1441 لعام 2002م الذي فرض تفتيش العراق بحثًا عن أسلحة الدمار الشامل بما فيها الأسلحة النووية، وهو نفس العام الذي بدأ فيه شارون خطته للقضاء على الانتفاضة؛ تزامنًا مع صدور مبادرة السلام العربية، وهو نفسه عام صدور قانون القدس الذي التزمت فيه الإدارة الأمريكية قانونًا بتنفيذ مقولة القدس عاصمة أبدية ودائمة لـ"إسرائيل".
معنى ذلك أن قرار التفتيش صدر عن وعي من الجميع بأنه الأداة الدولية الأولى المؤدية للغزو، ولا يقدح هذا القول فيما أكده وزير خارجية فرنسا ديفلبان في جلسة مجلس الأمن الشهيرة وهو غريم ساركوزي الذي صار رئيسًا للوزراء فيما بعد؛ أن قرار التفتيش لا يعطي واشنطن رخصة غزو العراق، ورغم وضوح نية الغزو التي صدر في ظلها وتمهيدًا لها قرار التفتيش، والذي منح فرق التفتيش (UNMOVIC)، و(فريق الوكالة الدولية للطاقة الذرية) رخصة مطلقة في العمل في كل شبر في العراق، فإن كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة حينذاك الذي كان هو الآخر يعلم هذه الخلفية عقَّب بعد صدور القرار بأن القرار يدعم قضية السلام، وأعطى دفعةً جديدةً للبحث عن الأمن في عالم تتزايد فيه المخاطر، وأن صدور هذا القرار يقدم نموذجًا للدبلوماسية المتعددة الأطراف التي تخدم قضية السلام والأمن، وحث القيادة العراقية على أن تهتبل هذه الفرصة؛ حتى تنهي عزلة الشعب العراقي ومعاناته.
وأضاف الأمين العام أنه إذا استمر العراق في تحديه؛ وجب على مجلس الأمن أن يتحمل مسئولياته، وحذر الأمينُ العام العراقَ من مغبة عدم التعاون لنزع سلاحه سلميًّا، وأبدى وزير خارجية فرنسا رضاه عن استبعاد الاستخدام الفوري للقوة ومرور التنفيذ بمرحلتين: الأولى أن تقدم فرق التفتيش تقاريرها إلى المجلس، ثم المرحلة الثانية أن يتخذ المجلس قراره على ضوء ذلك.
وشدد وزيرا خارجية الصين وروسيا على حصر الحق في تقرير وجود مخالفات للقرار في فرق الأمم المتحدة دون سواها، غير أن وزير الخارجية الأمريكي الجنرال كولين باول الذي ندم بشدة على دوره في هذه المسرحية بعد ذلك، فتح الباب لاستخدام بلاده للقوة ضد العراق، رغم القرار عندما أكد أن القرار لا يمنع أي عضو من العمل دفاعًا عن نفسه ضد العراق، أو أن يرغم العراق على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة الهادفة إلى حماية السلم والأمن الدوليين، أي أن وزير الخارجية الأمريكي اعترف بأن القرار لا يعطي أحدًا رخصة لاستخدام القوة؛ ولكنه لا يمنع أي عضو من استخدام القوة، وربما كانت هذه الأحداث هي التي أيقظت ضمير الأمين العام كوفي عنان فيما بعد؛ ليعلن أن واشنطن استخدمت القوة بشكل غير مشروع، رغم تهديد واشنطن له بفضح دور نجله في مشروع النفط مقابل الغذاء في العراق.
معنى الملاحظة السابقة: أن الكل تواطأ على غزو العراق، وكأن هذا الغزو كان الشرط الضروري لكي يسود السلام في العالم، بينما انطوى سكوت العالم العربي على عدم الإحاطة بالفارق بين الضيق من نظام صدام، وبين مستقبل شعب عظيم، فتح الغزو طريقه إلى الضياع، لمجرد أنه عجز عن كبح جماح نظامه ورده إلى صوابه.
الملاحظة الثانية: عندما قدمت فرق التفتيش تقاريرها، وناقشها المجلس يوم 5 فبراير 2003م كانت القوات الأمريكية قد استكملت حشدها تنفيذًا لقرار سياسي مبكر بالغزو، وبعد التمهيد الدبلوماسي والإعلامي المكثف، بعد انتهاء جلسة 5 فبراير التي أكدت فيها تقارير التفتيش أنها لم تعثر حتى حينه على أسلحة للدمار الشامل، أعلن محمد البرادعي مدير عام الوكالة حينذاك ما سبق أن قرره مديره السابق ورئيس لجنة (UNMOVIC) اعتقادهما بخلو العراق تمامًا، وأن افتراض وجود أسلحة لا يقوم على أساس، بعد صدور قرار التفتيش عام 2002م كتب البرادعي مقالاً في (الحياة) يعد فيه بأن امتثال العراق لقرار التفتيش أمرٌ ضروري، واشترك بذلك في الحملة الدولية والعربية التي صورت هذا الامتثال على أنه طوق النجاه للعراق وتفويت لذريعة واشنطن لغزوه، وقد نشرت (الحياة) مقالاً لي بعده بيومين عنوانه: "وماذا بعد التحقق والتفتيش؟" أكدت فيه أن قرار التفتيش جزء من استكمال الغزو، وأن المشاركة في إعداد الملف تواطؤ في هذا الملف.
فلماذا هدَّد البرادعي بأنه سوف يستقيل إذا هاجمت واشنطن العراق، وذلك عقب جلسة مجلس الأمن الشهيرة يوم الخامس من فبراير 2003م.
لقد قدم البرادعي تقريره السلبي إلى المجلس في حدود صلاحياته وفق قرار التفتيش، فما الذي دفع البرادعي إلى التهديد بالاستقالة، وهو يعلم أن استقالته أو بقاءه لن تؤثر في قرار الغزو الذي اتخذ قبل ذلك بسنوات؛ لكن هذا التهديد يعني أن البرادعي قدَّم شيئًا حاسمًا جعل تنفيذ قرار الغزو ممكنًا، وأشارت تقارير بعدها إلى أن تقرير البرادعي طمأن واشنطن تمامًا إلى أن الغزو سوف يكون آمنًا، وقال بعضها إن فريق البرادعي وضع بعض العلامات على الأهداف الإستراتيجية، وأسهم في تجنيد العملاء حتى يسهلوا عملية الغزو.
ما بين التهديد والاستقالة عام 2003م والندم والأسى على دوره عام 2009م حقل ألغام، ولا يكفي أن يعتذر البرادعي عن أمر عظمت حوله التكهنات، وعليه أن يبرئ ذمته فيسجل للتاريخ ماذا كان دوره حقيقة في غزو العراق، وضياع أمة عظيمة، وشعب فقد القدرة على رؤية المستقبل من جديد.
نرجو أن يوضح الدكتور البرادعي وهو يجتر ذكرياته ملابسات منحه مناصفة مع الوكالة جائزة نوبل للسلام، خاصة أن سجل الوكالة في منع الانتشار النووى معروف بتواضعه الشديد، بل يتزايد الانتشار فما حيثيات منحه هذه الجائزة السياسية الرفيعة؟
كما نرجو أن يوضح لنا الدكتور البرادعي استكمالاً لجوانب الصورة ملابسات ترشيح الولايات المتحدة له لمنصب مدير الوكالة ضد المرشح المصري في ذلك الوقت!.