الشفافية والوضوح فيما بين الشعب والحكومة، وشعور الفرد بأن هناك مَنْ يخاف على ثروات بلاده، ولا يعرضها لخطر الهدر والاستنزاف؛ هو أساس نهضة ورقي أي مجتمع يريد أن ينعم بالأمن والاستقرار، وتنمو علاقاته في إطار من التسامح والحب المتبادل فيما بين أفراد الشعب.
ولا شك أن التطور الذي يشهده المجتمع، ويلمسه المواطن؛ هو مرآة الحكومة التي لا بد أن تنظر لها إذا أرادت أن تقيِّم أداءها، وتعالج مشكلاتها، فإذا تحسنت صورة المجتمع بما فيه من مرافق وخدمات؛ فعليها أن تعلم بديهيًّا أنها تسلك الطريق الصحيح، أما إذا حدث العكس فلا بد وأن تتوقف وتعيد النظر في سياساتها، وتنظر إلى مواطن الخلل والقصور؛ لكي يتم معالجتها، وحيث إنه من المفترض أن حالة الرضا أو الغضب التي تسود الشارع المصري من جراء اتخاذ أي قرار؛ تنقل بصدق كما هي من خلال رجال استطلاعات، وقياس الرأي العام الذين هم عين الحكومة على الشارع.
لكن للأسف أن صار المواطن المصري ليس له من الأمر شيء، يصرخ بأعلى صوته راجيًا التصحيح، ولا أحد يسمع صيحاته، وكأنه يقف بعيدًا عن مرآة الحكومة، أو أن المسئولين وضعوها في حجرة مظلمة، والاحتمال الأخير أنها قد نالها الكسر، ولم يبق منها شيء، ومن النماذج الدالة على ذلك؛ أنه منذ فترة طويلة وما زالت تعلو الأصوات الجماعية المطالبة بالحفاظ على ثروتنا القومية، ووقف إهدار الطاقة المتمثل في تصدير الغاز المصري إلى الكيان الصهيوني، وتناست الحكومة المصرية أنه العدو الصهيوني الألد، ذلك الغاصب المحتل الذي انتزعنا منه أرضنا بدماء شهدائنا، واليوم نصدِّر له الطاقة بأسعار زهيدة والمواطن المصري يشكو الغلاء والحكومة تتعلل بقلة الموارد!!.
ومما يثير الدهشة والاستغراب أن طالعتنا الصحف القومية والمستقلة منذ أيام بأنباء حول زيادة ضخ كمية الغاز المصدر إلى الكيان الصهيوني في العام الجاري؛ حيث وضعت هيئة البترول خطةً لزيادة صادرات مصر من الغاز ومشتقاته، عبر الخط البحري الموجه إلى الكيان الصهيوني بنسبة زيادة تصل إلى 2.5 مليون طن، كما تم رفع كمية الغاز المصدرة إلى شركة "يونيو فينوسيا الإسبانية" خلال عام 2008/ 2009م بنسبة 41% عما كان مخططًا له، فضلاً عن تصدير هيئة البترول 30 مليار قدم مكعب من الغاز عبر خط الغاز البحرى إلى الكيان الصهيوني، محققة عائدات تُقدر بنحو 90 مليون دولار بمتوسط 2.97 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بما يقل عن سعر البيع في السوق المحلية، وكأن الحكومة تشفق على سكان الكيان الصهيوني الغلاء، وتحاول تخفيف المعاناة عنهم بوصول الطاقة المدعومة إليهم، في ظل حالة الانتعاش التي يعيشها الاقتصاد المصري والرفاهية التي يتمتع بها المواطن المصري الذى وصفوه بأنه يعيش حالة من الدلع والتدليل، ويستشهدون على ذلك بعدد السيارات الفارهة، وعدد خطوط المحمول، ونسوا أن معدلات الفقر تعدت نسبة 40%؛ مما يؤثر على استقرار وأمن المجتمع، وتزايد أعمال العنف والجريمة، والغياب عن الواقع بالانحراف والإدمان، وفقدان الانتماء لهذا البلد، وغيرها من المشكلات التي نعيشها، ولن يتسع المقام لذكرها الآن.
نهايةً ما أود أن أقوله: إن رفض الشارع المصري التصدير لهذا الكيان الصهيوني كان لا بد وأن يؤخذ في الاعتبار، وأن تكون الحكومة على وعي تام بأن أي مصري مهما كانت ثقافته يريد أن يشهد تنميةً حقيقيةً على أرض مصر، وأن تنعم بلاده باقتصاد قوي وناتج قومي مزدهر، يكفل حياةً كريمة لكل فرد؛ لكن ليس بأن يكون نصيرًا لأعدائه.
فإذا كانت الأصوات المطالبة بوقف تصدير الغاز المصري إلى الصهاينة قد تم تجاهلها، وأصبحت الحكومة لا تعطي لإرادة الشعب، ولهذه النداءات أدنى أهمية، وكأن مصر عزبة خاصة ليس لأي مصري الحق في تملك أي جزء بسيط منها، أو أن الشعب ليس له الحق في أن يوافق أو يعترض، فينبغي عليها أن تمعن النظر بمزيد من الموضوعية لهذه القضية، فنحن أبدًا لسنا ضد الصالح العام، ونتمنى أن تقل وارداتنا وتزداد صادراتنا؛ لكن ليس لأعدائنا، خاصةً إذا كانت الخسائر المترتبة على هذه العملية تفوق المكاسب المادية، فما جدوى ذلك إذا علمنا أن اتفاقيات ضخ الغاز تخضع لعقود قديمة، كما أن اتجاه الصهاينة لتعديل أسعار التصدير لحساب الخزانة المصرية بزيادة 300 مليون دولار سنويًّا؛ يعني "صدق ونجاح نسبي لما قمنا به من حملات ووقفات احتجاجية"، وتدفعنا لنتساءل: أين كانت تذهب هذه الأموال من قبل؟
والإجابة بأحد الأمرين؛ إما أنهم نجحوا لسنوات في الضحك على الحكومة المصرية، أو أن هذه الأموال تدخل حقائب الوسطاء وأصحاب المصالح؛ لذا أناشد الحكومة بأن تستجيب لما يرتضيه العقل، ويقبله المنطق بالعمل على إغلاق هذا الملف، ووقف تصدير الغاز المصري إلى الكيان الصهيوني؛ وفاءً لمصر ولأبطالها الذين سطروا بدمائهم أروع صفحات التاريخ.
------------
* وكيل مؤسسي حزب الإصلاح والتنمية