إن من يفكر في أوضاع التعليم في مصر يجد نفسه أمام مائة علامة تعجب وألف علامة استفهام؛ فلأول مرة في التاريخ نجد نظامًا تعليميًّا متشعبًا في مناهجه ومشاربه، في حالة أشبه بالفوضى الخلاَّقة التي تجعل الحليم حيرانَ؛ فتجد عدة نظم مختلفة كما لو كنت أمام استعراض لاختلاف أنظمة دول مختلفة، فمثلاً:

1- يوجد نظام مدارس وجامعات أجنبية تحتضن الطفل حتى الجامعة، وطبعًا هذه النوعية تروِّج لفكر معين وثقافة معينة على أيدي معلِّمين تربَّوا لغرض معين، مثل الجامعة الأمريكية.

 

2- مدارس لغات أجنبية شكلاً وموضوعًا، يكون رئيس مجلس إدارتها سفيرَ تلك البلدة أو قنصلها؛ لتضمن الحصانة، وأنها فوق القانون، وكأنها جزرٌ دوليةٌ مستقلةٌ داخل مصر، لا سلطان لمصر عليها إلا من حيث الشكل فقط.

 

3- مدارس لغات أجنبية برأسمال مصري وعقلية مصرية، لكنها في النهاية تكرِّس لإعلاء لغة الاستعمار الأجنبي، من باب الربح والتكسُّب؛ حتى صار بمصر الأزهر 250 مدرسة لا ينطق فيها المتعلم بحرف عربي واحد، فتتفرق انتماءاتُ الأسرة الواحدة حسب النظام التعليمي؛ فتجد ولاء هذا الابن للإنجليزية وأهلها ثقافةً ولغةً، وتجد ولاء ذلك الابن للفرنسية ثقافةً ولغةً، فتنقسم الأسرة الواحدة بسبب نظم التعليم وتختلف حتى التدابر، كل ما سبق لأبناء الطبقة الجديدة من رجال الأعمال (الإقطاعيين الجدد).

 

4- مدارس عربي خاصة لأبناء الصفوة من الطبقة المتوسطة، تقدِّم التعليم كسلعة للقادر على دفع ثمنها.

 

5- مدارس تجريبية مميزة، يدخلها أبناء مواطن لديه القدرة المالية الضعيفة على المدارس الخاصة، والأفضل من مدارس الحكومة.

 

6- مدارس تجريبية عادية، وفيها يستطيع التلميذ أن يجد مقعدًا دراسيًّا ودورة مياه شبه آدمية، والنظام التجريبي هو بداية سلَّم خصخصة التعليم والعودة لمائة سنة للخلف؛ ليصبح القادر على التعليم هم أبناء الأغنياء فقط.

 

7- مدارس حكومية قد لا يوجد فيها مقعد للتلميذ، و90% منها بلا زجاج أو حتى أسوار، تحكي حالة البؤس للشعب المصري، وتردي حالة التعليم في مصر، على طريقة تخريب الشركات والمصانع لتبرير بيعها، كذلك تخريب المدارس لبيعها وخصخصتها.

 

* عندما يلتحق هؤلاء بنوعياتهم المختلفة بالتعليم الجامعي؛ يصبح عندك انقسام طبقيٌّ رهيب بالمجتمع، وعند طلب الوظائف يحلُّ خريجو الجامعات والمدارس الأجنبية بكل المواقع والوظائف المتميزة في كل اتجاه، وهم أبناء الصفوة من الإقطاعيين الجدد، أما أبناء الوطن ممن تربَّوا في التعليم الحكومي- وهم نحو 90%- فتكون الوظائف المستقبلية لهم هي مسح الأحذية وغسل الصحون وأعمال النظافة.

 

* فضلاً عن انتقال مصر- كالجزائر إبَّان الاحتلال الفرنسي- من اللسان العربي إلى الإنجليزي، لكنَّ الفارق أن الجزائر انتقلت إلى اللسان الفرنسي تحت قوة السلاح، أما مصر فتنتقل إلى اللسان الإنجليزي عبر قوة المعونة الأجنبية والفوضى الخلاَّقة في مجال التعليم.

 

- إن نظام التعليم في مصر في حاجة ماسَّة إلى المراجعة قبل فوات الأوان.. ولله في خلقه شئون.   

------------

* الأمين العام والمتحدث الرسمي لحركة "معلمون بلا نقابة".