هل يشعر العرب حقًّا بالعجز أمام توحش الكيان الصهيوني وإعلانه تصفية القضية الفلسطينية، ومعالجة ذيول هذه التصفية؟ أم أن العرب متواطئون مع الكيان على ذلك؟ أم أنهم لم يشعروا بأهمية مواجهة الكيان ما دام يريد فلسطين وحدها، وعلى كل دولة أن تبذل ما تستطيع حتى لا ينالها ما نال فلسطين؟!!.

 

هذه أسئلة حاسمة لا بد من الإجابة عليها بوضوح، والأمر يدور حول افتراضات ثلاثة؛ الافتراض الأول هو أن العرب يريدون استنقاذ فلسطين والقدس التي يتم تهويدها بالقوة وعلى الملأ وتحديًا لمشاعر أكثر من مليار مسلم، ولكن الوهن غلب عليهم تارةً بسبب الضغط الأمريكي وتارةً أخرى بسبب خفوت مشاعر النصرة للأقصى وفلسطين، وتارةً ثالثةً بسبب الصراع بين فتح وحماس، وتارةً رابعةً بسبب جسارة الكيان ورغبة نتنياهو في منافسة بين جوريون وشارون في تسنم المجد الصهيوني؛ حيث وجد الكيان الصهيوني العالم العربي بنظمه الحالية والعالم الإسلامي بنسقه المضطرب نموذجًا للتقدم صوب إكمال المشروع الصهيوني.

 

هذه الفرضية تقوم على أن العالم العربي والإسلامي يدرك خطورةَ المرحلة وقوة الكيان، لكنه مصاب بعطب داخلي يقعده عن الحركة، إذا صحَّ هذا الافتراض فلماذا لا تترك الحكومات العربية والإسلامية شعوبها لتنظيم صفوفها للتصدي للكيان، أم أن القوى الراغبة في التصدي هي القوى الإسلامية، وهي التي حذرت "إسرائيل" الحكوماتِ العربية من إطلاقِ قيدها حتى لا تكون هذه الحكومات أولى ضحاياها فتكون المواجهة القادمة بين الكيان وهذه الحكومات العربية بعد تسلُّم القوى الإسلامية للسلطة فيها سلمًا أو قهرًا؟!.

 

يُضاف إلى ذلك أن السماح لهذه القوى بالعمل ضد الكيان الصهيوني من خلال حدود الدول المجاورة للكيان سوف يُعرِّض هذه الدول لانتقام الكيان، وربما قلب النظم العربية الهشة التي ربما لا تحتمل مكائد الموساد التي- لا شك- تم تضخيمها للزعماء العرب إمعانًا في إرهابهم.

 

وما دام الصراع بين المنطقة والمشروع الصهيوني صراعًا أبديًّا ومصيريًّا على النحو الذي قدَّمه نتنياهو، فهل لا يزال الحكم في العالم العربي يعول على كرم الكيان وأريحيته؟ ولماذا لا تبادر هذه النظم العربية إلى إطلاق برامج الإصلاح الجدي لمجتمعاتها لتأهيلها لهذه المواجهة التاريخية والمصيرية بدلاً من إضعافها وإشاعة الوهن الذي أصابهم داخل هذه المجتمعات دون انتظارٍ لصلاح الدين الجديد الذي ولا شك كما قال شاعرنا الحديث إن صلاح الدين يجب أن يعود بجنوده أي في ظرفٍ يكون فيه المجتمع على نفس مستوى القيادة الجديدة؟.

 

الافتراض الثاني هو أن الحكومات العربية والإسلامية تدرك الخطر الصهيوني لكنها لا تعرف ماذا تفعل لمواجهته.. هذا هو أسهل الافتراضات، وحله سهل ميسور، إذْ إن هناك ترسانةً من الخطوات والإجراءات الدبلوماسية والقانونية الفورية التي تناسب المشروع الصهيوني في مرحلته الحالية، كما أن هناك خططًا لإحياء وتنمية وتحصين المجتمعات العربية والإسلامية للمواجهة النهائية بكل الطرق.

 

ونظرًا لأننا لسنا واثقين من أن هذا هو حال زعماء الأمة، وأنهم أقرب إلى التفريط والانفراط منه إلى الهمة والعمل، فإننا نشعر بأنه من العبث تكرار الإشارة إلى ما يجب أن يتبع للرد على الإذلال الصهيوني.

 

ولا أظن أنني في ذلك أبتدع أمورًا أو أخوض في أسرار أو أعمل عمل الحواة، فـ"إسرائيل" أصلاً كيان غير مشروع وأعمالها في غزة على الأقل أثارت العالم كله، وأبسط ما كان يجب عمله هو مساندة العالم العربي للاتجاه الغربي المتصاعد ضد الكيان ووضع خطة للتحرك ضد الكيان الصهيوني دبلوماسيًّا على المستوى الثنائي وعلى مستوى الأمم المتحدة.

 

الافتراض الثالث هو أن هناك شكلاً من أشكال التواطؤ العربي الإسلامي مع الكيان بحجة أن ضياع القدس في فلسطين أمر لا نقاش فيه، ومن المستحيل استنقاذهما أمام مشروع يعمل منذ عقود طويلة، وأن الأولى تركه يقضم فلسطين مقابل سلامة بقية الأوطان العربية، أي أن فلسطين فداء لبقية الوطن العربي.

 

وهذا هو نفس منطق إنجلترا وفرنسا أمام هتلر فيما عُرف بسياسة التهدئة التي فتحت الباب لهتلر لاجتياح أوروبا كلها وإشعال الحرب العالمية الثانية، والحق أن كل المؤشرات تغرى بالاعتقاد بوجود حالة من التواطؤ، إما المباشر بالاتفاق أحيانًا، وإما يتم التواطؤ في صورة السكوت والعجز عما يفعله الكيان،

 

والحق أيضًا أن هذا التواطؤ يناقض تمامًا مشاعر الشعوب العربية والإسلامية التي تنتظر من قياداتها التحلي بنفس المشاعر، وأن يكونوا في الصف الأول دفاعًا عن الهوية والحقوق.

 

صحيح أننا لا نريد أن نصدق أن هناك تواطؤًا من أي نوع، ونفضل أن نُفسِّر القعود بالعجز عن الإدراك أو العجز عن المواجهة أو العزوف عن ذلك، لكن الشواهد تقهر المراقب قهرًا على الاعتقاد بالتواطؤ في كثير من الأحيان.

 

وإذا صحَّ ذلك، فإن الأمل في مواجهة المشروع بموافقة الحكومات العربية والإسلامية يصبح سرابًا أو وهمًا، ويتطلب الأمر إعادة التفكير في سبل المواجهة الأخرى، ولكننا نؤكد أن المشروع الصهيوني موجه ضد الأمة كلها لا فرق بين دول مجاورة لساحته المباشرة ودول تفصله عنها المسافات، فالهيمنة الصهيونية تبدأ بقتل الشعور بالكرامة قبل أن تقتحم الأوطان من حدودها.