ظلت النخبة السياسية العربية ولفترة زمنية طويلة هي مصدر الإلهام الفكري والميداني لكل تغيير أو إصلاح منشود لاعتبارات كثيرة؛ أهمها الجلوس على منصة التوجيه الفكري والتنفيذ الميداني، وقد قامت منذ زمن، خاصةً خلال فترة الاحتلال الأجنبي للمنطقة بقيادة وريادة الجماهير العربية في طريق التحرر والاستقلال، فضلاً عن التطور الاقتصادي والنضج السياسي والإبداع الفكري، لكن وبمرور الزمن وكثرة المعوقات الداخلية والخارجية أعادت هذه النخبة حساباتها وانحازت لمنظومات الحكم تشرعن وجودها وتدعم قراراتها لدرجة غير مسبوقة حين صارت المدافع الأول عن كل مظاهر الاستبداد والفساد والاعتداء على حقوق المواطن العربي في الحياة الحرة الكريمة.
الليبراليون القدامى والجدد "نموذجًا"
مرت النخبة العربية بعدة مسارات قبل وخلال وبعد حقبة الاستعمار، وهي:
- مرحلة النزوع للاستعمار:
حين وجدت نفسها تعيش واقعًا عربيًّا مأساويًّا ومتخلفًا على المستويين المدني والحضاري، ووجدت أن الفرق صار شاسعًا بين الواقع العربي والطموح الغربي فانطلقت الأفكار من هنا وهنا تبشر بالمشروع الغربي المنقذ من التخلف والجهل والمرض لدرجة أن طالب البعض باتباع الغرب شبرًا بشبر وذراعًا بذراع إذا أردنا النهوض والتقدم.
- مرحلة الاستقلال والدولة الوطنية:
حيث التفَّت هذه النخبة حول منظومة الحكم ودوائر صنع القرار أملاً في تنفيذ المشروع الحلم، والذي يهدف إلى:
1- تكوين قوميات مستقلة وفقًا للمفاهيم والقيم الغربية بعيدًا عن المفاهيم والقيم العربية والإسلامية بدعوى أنهما سبب التخلف والتراجع.
2- إحداث تنمية اقتصادية وفقًا للنموذج الرأسمالي لتوفير واقع معيشي مميز.
3- توفير مناخ ديمقراطي على غرار النموذج الغربي.
4- إعداد قوى عسكرية قادرة وفاعلة تحمي البلاد وتحجز دور إقليمي فاعل ومؤثر لكن لاعتبارات كثيرة ورغم إتاحة كافة الفرص من الوقت كل الوقت والإمكانات كل الإمكانات إلا أن الواقع أثبت فشل التجارب وسقوط الشعارات لسبب حيوي هو عدم اعتبار هوية شعوب هذه المنطقة من العالم ومحاولة استنساخ نموذج أو مولود لن تكتب له الحياة في هذه البيئة.
- مرحلة ظهور النخبة العربية ذات التوجه الإسلامي:
وهي مرحلة الصحوة الإسلامية منذ عشرينيات القرن الماضي بقيادة الحركة الإسلامية بجناحيها الإحيائي والإصلاحي، وفي القلب منها حركة الإخوان المسلمين، والتي استهدفت إقامة مشروعها التغييري على المرجعية الإسلامية، ومن هنا انتقل التيار الليبرالي إلى مربع الخصومة معها متمثلاً في:
1- الانحياز للمشروع الصهيوأمريكي الذي يدير المنطقة ويدعم شرعية أنظمة الحكم العربي الذي تفتقد الشرعية الشعبية بسبب فشلها في تحقيق طموحات الشعوب بل والشرعية القانونية لاعتمادها التزوير في كافة الانتخابات الرئاسية والتشريعية، بل كانت هذه النخبة أكثر غلوًا حين تطابقت رؤيتها مع الرؤية الصهيونية في موقفها من قضايانا المركزية، خاصةً فلسطين.
2- الانحياز لأنظمة الحكم المستبدة تشرعن الاستبداد وتقنن الفساد لدرجة غير مسبوقة تجلت في التعديلات الدستورية التي تمَّت بكثيرٍ من البلدان العربية بهدف تأبيد السلطة بل وتوريثها "مصر واليمن وليبيا والجزائر"، وإقصاء المعارضة الإسلامية.
3- الانحياز لطبقة رجال الأعمال الذين قفزوا إلى دوائر الحكم وصنع القرار في مرحلة تزاوج السلطة بالثروة؛ مما بات يهدد واقع ومستقبل الشعوب العربية.
المخرج
رغم أزمة الواقع العربي وضبابية المستقبل إلا أن فرص الخروج من النفق المظلم ما زالت متاحة حين تحدد هذه النخبة بكل وضوح وشفافية أسباب التراجع؟ هل في غياب المشروع الإصلاحي للخروج من المأزق وتحمل المسئوليات الشرعية والدستورية والوطنية؟ أم في الهوية والمرجعية التي يستند إليها المشروع؟ أم في ندرة الإمكانات المعلوماتية والمادية والبشرية وغيرها؟
أعتقد أن المشكلة تكمن في مدى إيمان هذه النخب بالمفاهيم والقيم التي تدعو إليها! فهم ينادون بالتعايش والتسامح وقبول الآخر وهم غرقى في بحور تصفية الحسابات وإقصاء الآخر بل والتحريض ضد الخصوم!.
----------
* مدير مركز الفجر للدراسات والتنمية