يبدو أن العالم العربي قد استراح إلى مقولة أنهم لن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، وأنه ما لم يتفق الفلسطينيون فلا سبيل إلى مساندتهم، وإنما سيظل العالم العربي منقسمًا بينهم، معظمهم يؤيد السلطة والقليل يتعاطف مع "حماس"، لكنه يتعامل مع السلطة.
تقول الحكومات العربية أيضًا إن هذا الانقسام قد وصل إلى النخاع، ولكنَّ هذه الحكومات تلقي باللائمة على "حماس"، وتتهمها بأنها هي التي انشقَّت على السلطة وهي التي تهوَّرت وفازت في الانتخابات وكان عليها أن تترك السياسة تمامًا لفتح التي أبرمت أوسلو مع "إسرائيل" ولديها تقاليد التعامل مع العالم الخارجي والتفاوض مع إسرائيل، كما أن لدى قادتها تقاليد تكريس الفساد المالي والإداري، وهذا أمر تشارك فيه معظم الحكومات العربية.
ترى الحكومات العربية أيضًا أن قصارى ما تفعله هو تشجيع الحوار الوطني وعلى الجانب الفلسطيني أن يقدر هذا "الجميل"، وهو حر في أن يتفق أو يختلف.
والحق أن الخلاف بين السلطة وحماس خلاف في المنهج تفاقم فأصبح صراعًا على من له الحق في التحدث باسم الفلسطينيين. نتائج الانتخابات قالت إن حماس هي صاحبة هذا الحق، ولكن العالم العربي سكت على إهدار هذه النتائج وعلى مكائد "إسرائيل" وعلى مؤامرات السلطة والمحاضر الأمنية التي سربتها أجهزة الأمن "الإسرائيلية" التي تنسق أمنيًّا مع السلطة ضد المقاومة، كل ذلك هو الذي أدى إلى سيطرة حماس على غزة ثم العدوان الوحشي- بالتفاهم وربما بالتنسيق مع جهات في السلطة كما تردد- على غزة. السكوت العربي على ضرب غزة بل وتعويق كل جهد للإنقاذ واستمرار الإغلاق والحصار في معبر رفح، بالتوازي مع البيانات العربية المطالبة برفع الحصار رغم أن الأطراف العربية نفسها هي التي تفرض الحصار بحجة الضغط على حماس حتى تعود غزة تحت سيطرة السلطة، وهذه الأطراف تعلم جيدًا أن القضية تعقدت جدًّا فلم تعد عودة من إلى من، وإنما أصبحت استحالة الجمع بين منهج السلطة المعروف الملتزم بأوسلو التي جعلت السلطة حاميًا لأمن "إسرائيل" والمتعاون معها لضرب المقاومة، وبين منهج المقاومة الذي تقوده حماس وبقية الفصائل.
في هذا المناخ الموتور يدور الحوار ويتفرج العرب، وفي هذا المناخ أيضًا تدبر المكائد ضد المقاومة، كاستمرار الإغلاق والحصار، محاربة الأنفاق، ارتفاع الأسعار وشح المواد، ارتفاع البطالة، وقف المعونات، انتشار المخدرات، استمرار التربص "الإسرائيلي" والتدبير لضرب المقاومة، منع الأسلحة عن المقاومة وأخيرًا تشجيع الانقلاب الأمني حتى تفلت الأمور من أيدي حماس، ودعم الجماعات المتطرفة لتوريط حماس مع "إسرائيل" بحجة المزايدة على المقاومة، وهذه الجماعات نفسها هي التي تجسست لصالح العدو على مواقع المقاومة المكشوفة أصلاً.
فإذا انتهت المقاومة أصبح من السهل على السلطة أن تبرم اتفاق سلام نهائيًّا مع "إسرائيل" وتصفي القضية بالكامل وإلى الأبد وتستولي "إسرائيل" على كل فلسطين.
فهل يرجى في هذا المناخ ومع هذا التواجه الحاد بين منهج المقاومة ومنهج اللامقاومة بأكثر العبارات تهذيبًا، أن ينجح حوار في تشكيل حكومة وحدة وطنية كما تحلم الحكومات العربية.
وكيف نفسر حرص واشنطن على نجاح الحوار إلا أن يكون لاستئناس حماس ودفعها نحو مراعاة هذا الواقع المرير الذي يهددها بالاختيار بين وقف المقاومة والاستسلام، وبين الانتحار في بيئة تخلت تمامًا وانقلبت على المقاومة وأصبح المصطلح المفضل لديها هو العنف والعنف المضاد، بعد أن أصبحت المقاومة في ترتيب هؤلاء الزعماء هي العنف، والعدوان "الإسرائيلي" هو العنف المضاد، فإذا أريد وقف هذا المضاد وجب أن يقف الأصل وهو المقاومة هكذا بهذا المنطق المقلوب.
فهل لا يزال الصراع بين المنهجين مسألة داخلية فلسطينية لا يجوز التدخل فيها، رغم كل هذه التداخلات؟
إنني أتمنى أن تتخلى الحكومات العربية عن هذه المواقف المكشوفة.
صحيح أن مواقفها واضحة في إضعاف المقاومة ودفع الشعب للكفر بها في عصر الهيمنة "الإسرائيلية"، ولكن أريدها أن تفيق لتواجه هي نفسها السرطان الصهيوني حتى لا تندم ذات يوم أنها فرطت في أهم أسلحة التصدي لهذا السرطان وهي المقاومة الوطنية العازمة على الصمود حتى الشهادة في عصر سمعنا فيه أصوات الفيلق الصهيوني الذي يستخف بطلب الشهادة وبما قاله القرضاوي من أنه يتمنى أن يموت شهيدًا في فلسطين. فمرحبًا بالشهادة في سبيل الحق ولا نامت أعين الجبناء والخونة وسماسرة بيع الأوطان وسحقًا لهذا السرطان الصهيوني الذي دفع بأذنابه إلى حواشي الجسد العربي ومفاصله.
وعندما يختار العرب المقاومة سوف يتحد الفلسطينيون على مذهب المقاومة، ولن يتحد الفلسطينيون أبدًا على منهج التسليم بحقوقهم والسير بأرجلهم في جنازة فلسطين.