يتزايد الجدل حول الانتماء للوطن في مقابل الانتماء للأمة، وكأنَّ الانتماءَ للوطن ينفي الانتماء للأمة، أو أن الانتماء للأمة ينفي الانتماء للوطن، ويوجه هذا الجدل للحركة الإسلامية خاصةً، بوصفها حركة تقوم على توحيد الأمة، فينظر لها على أنها لا تولي أهميةً للانتماء للوطن، أو أنها تلغي الانتماء للوطن من أجل التركيز على الانتماء للأمة، وكأن الانتماء للأمة وتوحيدها، هو عمل يقوم على إلغاء الأوطان.
تلك الرؤية في الواقع تخالف حقيقة قيام الأمة وتشكلها تاريخيًّا، فالأمة الإسلامية الواحدة قامت على أساس توحيد الأوطان، لا على أساس إلغاء الأوطان. فأصبحت تلك الأوطان هي أوطان الأمة، أي الأوطان المشكلة للأمة، والتي توحدت فأقامت الأمة الواحدة، فالأمة الإسلامية، هي وحدة حضارية للشعوب المكونة لها، ووحدة الشعوب هي وحدة أوطان.
فالمسار التاريخي لتشكل وتبلور الأمة الإسلامية، ثم تحققها في كيان سياسي واحد، قام مَن خلال دخول الأوطان في مشروع حضاري واحد، أصبح يمثل المرجعية الحضارية العامة لها، فأصبحت تلك الأوطان داخل إطار مشترك واحد، أسس لوحدة الأمة، ومن ثَمَّ وحدة الأوطان.
لكن الأوطان لم تختفي، ولم يختفي تميزها الخاص، ولم تختفي أسماؤها.. فظلت مصر والشام والحجاز وغيرها، تمثل أوطانًا داخل الأمة، لكل منها تميزه الذي لا يفصله عن وحدة أوطان الأمة.
حدث هذا مع الفتح العربي، والذي امتدَّ عبر الأوطان واندمج فيها، فكان الجيش الفاتح يستوطن البلاد المفتوحة ويندمج مع أهلها، ومع انتشار الإسلام والتعريب، يحدث اندماج أكبر بين الجيش الفاتح وأهل البلاد، ثم تتقارب البلاد بعضها مع بعض برباط الدين واللغة والتاريخ، وتنتج الحضارة الإسلامية المشتركة، والتي تمثل الإطار الحضاري الجامع لكل الأوطان والبلاد التي انتمت للأمة والدولة الإسلامية.
وهذه العملية التاريخية الكبرى، لم تلغِ تميز أي وطن، بل ظل لتميز الأوطان دور مهم في تاريخ الدولة الإسلامية؛ لأنه كان مصدر ثرائها وقوتها، وظلَّت كل بلد تقوم بدورٍ خاص يميزها، في الدفاع عن الدولة الإسلامية، وفي بناء الحضارة الإسلامية.
فعملية بناء الدولة الإسلامية، كانت نتاجًا لقيام الأمة الإسلامية الواحدة، والتي وحدت الأوطان التي كانت موجودة قبلها، وتلك الأوطان لم تكن كيانات حضارية متناقضة، بل كانت تمثل بنيةً حضاريةً متقاربةً؛ مما ساعد في عملية الاندماج والتوحد، فأساس قيام الدولة الإسلامية الواحدة، لم يكن القوة السياسية أو العسكرية، بل كان قيام الأمة الواحدة، التي تنشد قيام دولة واحدة لها، فالأمة سابقة على الدولة، وتلك خاصية مهمة؛ لأن الأمة هي التي أقامت الوحدة، بوحدة الحضارة والمرجعية الدينية.
وبالتالي جاءت الدولة تعبيرًا عن وحدة الأمة، وليس العكس، فأساس الوحدة حضاري في جوهره، وهذا ما حافظ على وحدة الأوطان، وحافظ على الأوطان نفسها ووحدتها الداخلية وتماسكها؛ لأن الأساس الحضاري هو أساس يبنى على القيم العليا، فالقيم العليا هي التي وحَّدت الأمة، وهي التي وحَّدت الأوطان، وهي أيضًا التي وحَّدت الأوطان من داخلها.
فأساس قيام الأمة الإسلامية، ينبع من استنادها إلى منظومة قيم عليا واحدة، ومن تلك القيم تتأسس الدولة كي تعبر عن وحدة الأمة، من خلال التزامها بالقيم العليا التي آمنت بها الأمة.
وعندما واجهت الدولة الإسلامية حملات خارجية وغزو خارجي، كانت الأمة تتجمع في مواجهة الغزو الخارجي، وكان الغزو الخارجي يستهدف كل الأمة، فكانت تتوحد في مواجهته، وتحقق النصر عليه، وتستعيد تحرير الأوطان، وتستعيد بناء الدولة، وكان كل وطن يتعرض للغزو، يقوم بالدفاع عن نفسه وعن الأمة، وتقوم الأمة بالدفاع عنه، وكانت الأمة والدولة تعي أن كل غزو هو ليس لوطن، بل للأمة كلها.
بداية التقسيم
ظلَّ هذا الوضع قائمًا حتى قيام الدولة العثمانية التي أعادت وحدة الأمة والدولة، ومع الهجمة الاستعمارية الحديثة في نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، حاول الغرب ليس احتلال الدولة والأمة، بل حاول تقسيم الدولة، وتقسيم الأمة، وتلك حقيقة أدركها الغرب وخطط لها، وما زال يخطط لها حتى الآن؛ فقد أدرك الغرب أن قوةَ الأمة في وحدتها، ووحدتها تؤدي إلى وحدة دولتها.
وعندما تتوحد الأمة وتتوحد الدولة، تصبح الأمة الإسلامية قوةً لا يمكن السيطرة عليها أو الهيمنة عليها أو استغلالها، أو إخضاعها داخل أي مخطط استعماري، ورأت الدول الغربية أن قوتها وتقدمها رهنًا بقدرتها على السيطرة على العالم، خاصةً البلاد العربية والإسلامية، وأن قوتها وتقدمها لن تتحقق إلا بإنهاء وحدة الأمة الإسلامية، وإنهاء دولتها الموحدة، وبهذا تم تقسيم العالم الإسلامي بين الدول الغربية التي استعمرت الجزء الأكبر منه.
ولكن حركة التحرر في مواجهة هذا الاستعمار حتى بداية القرن العشرين، سارت في مسارها التاريخي المتصل، فكانت حركة تحرر وطني، تهدف إلى تحرير الوطن، من أجل تحرير الأمة، فكانت تلك الحركات تحرر الأوطان من أجل تحرير الأمة، وتبني الأوطان من أجل بناء الأمة، ولم تكن هناك قضية أو مشكلة في العلاقة بين الوطن والأمة، ولم يكن هناك تعارض بين الجماعة الوطنية وبين الجامعة الإسلامية.
فلا يمكن أن تتحرر الأمة بدون تحرر الوطن، ولا يمكن أن تنتمي حركة تحرر للأمة ولا تنتمي للوطن، ولا يمكن أيضًا قيام رابطة الانتماء إلى الأمة دون أن تكون تلك الرابطة متحققة في الدائرة الأصغر أي الوطن، فوحدة الأمة هي وحدة أوطان وشعوب، وحدة لم تلغي الأوطان ولا الشعوب، ولم تلغي تميزها وخصوصيتها، بل وحدت بينها، فالقيم العليا التي قامت عليها الحضارة الإسلامية، هي التي وحدة الأوطان والشعوب، وظلت لهذه الأوطان والشعوب تميزها داخل إطار الوحدة العليا للأمة، والمتمثلة في قيمها.
ولكن الاستعمار قسم الأمة إلى دول، وقسم الأوطان نفسها، بل وقسم الشعوب أيضًا، وقطع أوصال الأمة والدولة الواحدة، بصورة تهدف أساسًا لمنع توحدها مرةً أخرى، وأقام دول قطرية على نموذجه الغربي، تهدف إلى فصل الشعوب والأوطان عن بعضها البعض، وتأسيس رابطة وطنية جديدة، تقوم على أساس قطري، وتهدم أي فرص لقيام الأمة الواحدة مرةً أخرى، وبالتالي تمنع قيام الدولة الواحدة.
الاستعمار العلماني
ولكن ما قام به الاستعمار لم يكن كافيًا لهدم وحدة الأمة، فقد ظل الاستعمار غزوًا خارجيًّا تقاومه الأمة وكل شعوبها، ولكن المشكلة بدأت مع زرع أفكار داخل الأمة تقوم على أساس تقسيم الأمة وفك عرى الرابطة التي تقوم عليها، وبما أن رابطة الأمة كانت الدين والحضارة؛ لذا بدأ فك عرى الأمة من خلال فك دور هذه الرابطة، من خلال تحييد دور الدين بعملية العلمنة، وتحييد دور الحضارة من خلال نقل النموذج الحضاري الغربي.
حدث هذا على يد نخب من أبناء الأمة، وكانت تلك هي المرحلة الحاسمة في الصراع مع الاستعمار الغربي، فقد استطاع الغرب نشر فكره بين نخبٍ من أبناء الأمة، وحول توجهاتها نحو الفكر الغربي، ونشر بيننا العلمانية ومفهوم الدولة القطرية، وهنا ظهر معنى جديد للوطنية، لم يكن موجودًا من قبل، وهي الوطنية التي تقف عند حدود الوطن.
وأسس الجامعة الإسلامية، تشترط الانتماء للوطن طريقًا للانتماء للأمة، فلا يجوز أن يكون أي فرد منتميًا للأمة دون أن ينتمي للوطن، فالوطن جزءٌ من الأمة، وهو بهذا جزءٌ من وحدات الانتماء للأمة الواحدة، فالانتماء للأمة يمر عبر الانتماء للوطن، ولكن الوطنية القطرية كانت أمرًا آخر، غير الوطنية الحضارية، فالوطنية الحضارية كانت دفاعًا عن الأوطان، وانتماءً للحضارة الجامعة لتلك الأوطان، وبالتالي كانت الوطنية التي تبني الوطن، وتبني الأمة، أما الوطنية القطرية، فكانت انتماءً للوطن على حساب الانتماء الحضاري له، وعلى حساب انتمائه للأمة، وعلى حساب مساره التاريخي، فهي وطنية قطرية تقوم على هدم فكرة الأمة، وهدم الانتماء الحضاري للوطن نفسه؛ لأن هذا الانتماء الحضاري للوطن يؤدي إلى تأكيد انتماء الوطن للأمة.
نقصد من هذا، أن انتماء الوطن المصري للحضارة الإسلامية، بوصفها الإطار الأعلى للقيم المنظمة للوطن المصري، يؤدي إلى انتماء الوطن المصري للأمة الإسلامية، وأي محاولةٍ لإحياء الانتماء الحضاري لمصر، تعني إحياء انتماء مصر إلى الأمة، ولهذا قامت الوطنية القطرية بمحاولة تغيير الانتماء الحضاري للوطن المصري، وبناء نموذج حضاري آخر لمصر، يقوم على الالتحاق بالحضارة الغربية، حتى تقضي على رابطة الحضارة التي توحد الأمة، ومن ثَمَّ يتم بناء وطنية مصرية معادية للانتماء للأمة.
ومعنى هذا، أن الوطنية القطرية هي مشروع يقوم أولاً على تحييد دور الدين في الحياة العامة، ونشر العلمانية، وضرب الانتماء الحضاري التاريخي لمصر، وفك روابطها مع الحضارة الإسلامية، مما ينتج عنه فك روابط مصر مع الأمة الإسلامية، وإحلال رابطة القومية بدلاً من رابطة الحضارة، فتصبح مصر عربيةً فقط، وبعد ذلك تصبح مصريةً فقط، وهكذا تتأسس الرابطة القطرية القومية، والتي تحصر الشعب داخل انتمائه الخاص، وتفك الرابطة التي جمعت الأوطان والشعوب، والتي أقامت الأمة الإسلامية، وبهذا يتم هدم الأمة الإسلامية، والحضارة الإسلامية، حتى لا تقوم الدولة الإسلامية مرةً أخرى.
الاستعمار المحلي
إن النجاح الحقيقي للاستعمار الغربي، في كل مراحله، لم تتمثل في احتلاله للأرض؛ لأن هذا الاحتلال سرعان ما يزول، ولكن تمثل النجاح الحقيقي للاستعمار الغربي في قدرته على بناء نخبة الاستعمار المحلي، والتي تنتمي للفكرة الغربية، وتقوم بتنفيذ مخطط الاستعمار الغربي بدلاً منه، وهي النخب التي قادت التحرر الوطني في البداية، ثم تحولت إلى استعمار محلي.
وتمثل أيضًا أكبر نجاح للاستعمار، في ما أقامه من دولةٍ قطرية، كرَّست لما قام به الاستعمار من تقسيمٍ لأوطان الأمة الإسلامية، فأصبحت الدولة القطرية والنخب الحاكمة والنخب المتغربة، تقوم بمهمة إتمام ما أراد الاستعمار الغربي القيام به، من تقسيمٍ لأوطان الأمة الإسلامية، يمنع إعادة وحدة الأمة من جديد، ويمنع بالتالي قيام أي وحدة سياسية جامعة للأمة.
الخلاصة
نحن إذن أمام الوطنية الحضارية الإسلامية التي تقوم على تأسيس الجماعة الوطنية، وتوحيد الأوطان داخل أمة واحدة، في مقابل الوطنية القطرية العلمانية الغربية، والتي تقوم على تأسيس الجماعة الوطنية على أسس مانعة لتوحد الأمة، وما بينهما ليس جدلاً أو نقاشًا ثقافيًّا، بل هو صراعٌ حقيقي يؤثر على مسار تاريخ الأمة، فنحن أمام مشروعين، مشروع يتوافق مع المخططات الغربية، وينتهي بالتحالف مع المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، وهو مشروع الوطنية القطرية العلمانية الغربية، ومشروع الوطنية الحضارية الإسلامية، الذي يهدف لتحرير الأوطان وصد المشروع الأمريكي الصهيوني وتحرير فلسطين كاملة، ومن ثَمَّ تحرير الأمة، واستعادة وحدتها ونهضتها.
وختامًا نقول: إن الوطنية الحقيقية، هي التي تقوم على استعادةِ بناءِ الجماعة الوطنية على الأسس التي تؤمن بها هذه الجماعة، وانتماء الجماعة المصرية للأمة والحضارة الإسلامية، يجعل مشروع الوطنية القطرية العلمانية الغربية، مشروعًا وافدًا؛ لأنه لا يُعبِّر عن الانتماء السائد في الوطن.