من اليمن إلى الصومال، ومن باكستان وأفغانستان إلى العراق وفلسطين وغيرها من أنحاء البلاد الإسلامية، ما زالت جراح الأمة تنزف وتسيل دماؤها أنهارًا في صورةٍ مؤلمةٍ ومخزية أيضًا؛ حيث لا يقدر أحد على وقف ذلك النزيف المستمر الدائم، ولا يحقق طرف ما هدفًا يستحق إراقة الدماء، ويدرك الجميع أن المستفيد الرئيسي من هذا القتال الناشب هم أعداء الأمة والمتربصين بها في تلك البلاد.

 

وقد حضرنا هلال رمضان وانقضى عنه بضعة أيام، ولم يتوقف النزيف، بل لقد كان من الملاحظ أن وتيرة القتل زادت في بلاد العراق وأفغانستان، وأن دعوةً لوقف القتال في الصومال ثم رفضها من طرف "شباب المجاهدين" و"الحزب الإسلامي"، وأن فوضى القتل انتقلت إلى غزة المحاصرة التي تعاني الأمرَّين، ظلم ذوي القربى وحصار الأعداء.

 

أصبح مشاهدة نشرات الأخبار في اللحظات التليفزيونية أو حتى مجرد قراءة شريط الأخبار تعذيبًا للإنسان إذا كان له قلب أو ألقى السمع، وهو شهيد وبات عدّ أرقام الضحايا الأبرياء الذين يسقطون في شوارع بغداد أو كابول أو مقديشيو يرهق أعصاب ذوي الإحساس من جنس البشر، ولكن هؤلاء وأولئك ليس بيدهم من الأمر شيء، ولا يستطيعون إلا التحسر على أحوال المسلمين والترحم على هؤلاء الضحايا ورفع أكف الضراعة إلى الله أن يرحمهم بواسع رحمته، وأن يغفر لنا تقصيرنا وعجزنا المشين، وأن يهدي الفرقاء المتنازعين الذين تركوا العدو الحقيقي، وتفرغوا للقتال مع المسلمين.

 

هل كان مخططًا خبيثًا أن ينشغل المسلمون بقتال بعضهم بعضًا في الصومال والعراق، ويتركوا المحتل الأجبني الذي يدنس البلاد، ويستنزف ثرواتها آمنًا، وهو يضحك ملء شِدْقيه على خيبة المتقاتلين؟ إنها فتنة عمياء تدع الحليم حيران؟.

 

ومَن وراء مدّ أطراف النزاع في تلك البلاد بشتى أنواع السلاح؟ باستثناء أفغانستان وباكستان فإن الدماء تسيل على يد مسلمين مقاتلين بعضهم ينتسب إلى حركات الجهاد والمقاومة أو في صراعات دامية ضد النظم الحاكمة.

 

أخبار اليمن تُدمي القلوب فبعد فترةِ هدوءٍ واتفاقياتٍ في الدوحة تطورت الأمور إلى وضعٍ كارثي تسبب في نزوح عشرات الآلاف وقتل المئات، وما زال القتال مستمرًّا دون توقفٍ في رمضان، ولا يبدو أن هناك أملاً في الوصول إلى حلول.

 

ما الذي دهى اليمنَ، يَمَنَ الحكمة والإيمان؟ هل هو التشبث بالسلطة إلى آخر نفس؟ أم إنه التوريث؟ أم هي مؤامرات خارجية وفتن مذهبية، كما يقول النظام الذَّي ما عاد يستمع لنصائح الناصحين وتتوالى عليه المشاكل من الشمال والجنوب؟.

 

أما أفغانستان فإن قتل المدنيين يتم بواسطة قوات التحالف الدولي وحلف الأطلسي والقوات الأمريكية، بينما نجحت حركة "طالبان" الصامدة في استنزاف تلك القوات ليرتفع حصيلة ضحايا الساسة المجرمين في لندن وواشنطن وبرلين وباريس إلى عددٍ غير مسبوق، وتتوالى تصريحات كبار القادة العسكريين لتدلل على فشل واضح وآخر متوقع لتلك الغزوة الهمجية الغربية على بلاد الأفغان.

 

ومن الواضح أن المصير الذي لحق بالسوفييت ومَن قبلهم الإنجليز، وفي القديم بالإسكندر الأكبر المقدوني، وهو الغرق في المستنقع الأفغاني، وعودة الغزاة يجرون أذيال الندم وانهيار إمبراطوريات كبرى، هذا المصير المأساوي هو الذي تسير إليه حملة "أوباما" و"حلف الأطلسي" وهذا الاستنزاف المالي والفشل العسكري واليأس النفسي والإحباط ومرارة الهزيمة بعد سنوات عشر يدل بوضوح أننا قد نكون أمام منطعفٍ تاريخي آخر خلال العقد القادم يتعلق بأمريكا أو الاتحاد الأوروبي، ويصبُّ هذا في صالح القوة الصاعدة في الصين والهند، فها هم قادمون، ويا ويل البشرية من التنين الصيني الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فلا يمكن توقع كيف سيدير الصينيون العالم؟ خاصةً إذا تحالفوا مع الروس؟.

 

وها هي الانتخابات الفاشلة في أفغانستان تُعيد إنتاج "كرازي" من جديد ليستمر الفشل السياسي مصاحبًا للفشل العسكري.

 

وفي باكستان حيث يركز الرئيس الأمريكي "أوباما" حملته العسكرية، يقوم الرئيس الجديد "زرداي" والجيش الذي كان شعاره الإيمان بالله بحملاتٍ مستمرة تقتل المدنيين والمجاهدين ورجال القبائل في مناطق الحدود ووزيرستان لصالح أعداء الأمة والمتربصين بباكستان.

 

ونجح الأمريكيون في إسناد مهمة القتل والذبح إلى مسلمين يقتلون بعضهم بعضًا دون حسم أو انتصار، فالكل خاسر.

 

أما الصومال فمصيبته كبرى، والفرقاء المتقاتلون يحققون أهداف دول الجوار في إثيوبيا وإرتريا وكينيا التي تريد صومالاً ممزقاً متقاتلاً ضعيفاً، والسلاح يتدفق على الجميع من كافةِ الأطراف والدماء تسيل أنهارًا ودعوات المصالحة لا تلق آذانًا صاغية، والعناد هو سيد الموقف، ولا يبدو في الأفق حسم لطرف على آخر.

 

وكانت مأساة "رفح" و"جند أنصار الله" خاتمة المطاف؛ حيث لم نكن ننتظر أن يعلن شيخ أو طبيب إمارة إسلامية تحت الجوع والحصار والاحتلال في مشهد درامي أو مأساوي انتهى بمأساة، ولم نكن نتوقع أن تتعامل حكومة غزة بهذه السرعة؛ وذلك الحسم، وأن يتم قتل ذلك العدد الكبير دون قبض ولا تحقيق ولا محاكمة ولا مقدمات أو معلومات، وحتى الآن فالمعلومات شحيحة والأخبار متضاربة والصورة ضبابية.

 

هل كان هؤلاء بحاجة إلى حوار أو علاج أم كانوا بحاجة وإلى قتال وإراقة دماء؟

هل كان هؤلاء بحاجةٍ إلى مصحة أو سجن أم أن الهاجس الأمني أصبح مسيطرًا على النفوس؟

إن المسلمين اليوم وبعد انتشار حركات الجهاد والمقاومة المسلحة في بلاد عديدة في حاجةٍ ماسةٍ إلى "فقه الجهاد" وإلى قراءة تجارب المقاومة في ضوء المآلات والنتائج؟

 

نحن في حاجةٍ إلى مدارسة السفر الضخم الذي ألفه في 6 سنوات العلامة الشيخ الدكتور "يوسف القرضاوي"، والذي جاء في وقته تمامًا، ولعل لنا عودة إليه وإلى أهم ما فيه.

 

نحن كمسلمين نواجه عدوًا واضحًا.. يحتل بلادنا وينهب ثرواتنا ويسيطر على مقدراتنا، ويوجه حكامنا ويلعب بطوائفنا ويسعى إلى تمزيق وحدتنا وتشويه ديننا وعقيدتنا وحضارتنا.

 

ونحن في شهر الصبر والجهاد، نحتاج إلى معرفة الجهاد الحق وليس ممارسة الجهاد الخطأ، نحتاج إلى تدارس ميادين الجهاد، ولنعيد توجيه سلاحنا إلى العدو الواضح البيّن وليس إلى صدور إخواننا المسلمين حتى ولو بغوا علينا حتى ولو أخطأوا أو تأولوا.

 

في تاريخنا كمسلمين صفحات سوداء لمعارك دامية لا نريد أن نسطر صفحات أخرى لتضاف إليها.

 

ألا من عودة إلى العقل الرشيد والفهم السليم لدين الله تعالى؟!، ألا من استيعاب للتجارب الفاشلة بدلاً من تكرار الفشل؟!.

 

إن للصائم دعوة لا ترد ونحن صائمون نتوجه إلى الله تعالى أن يحقن دماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يردنا إلى دينه ردًّا جميلاً.