الذين أدهشتهم مبادرة الأخ العقيد معمر القذافي ملك ملوك إفريقيا، بتأييد انفصال جنوب السودان عن شماله، معهم كل الحق طبعًا، قياسًا على ما هو معروف عن عقيدة العقيد بالضرورة؛ فهو يسعى إلى طلب الوحدة ولو في الصين.
ومن يكتفي بالظاهر سينظر إلى تاريخ الأخ العقيد باعتباره تاريخًا من الشوق إلى الوحدة؛ شوق لم يساعده الآخرون على تحقيقه، لسبب بسيط؛ فهم مجرد حكام، بينما الأخ العقيد منظر سياسي وقائد ثورة (ليس رئيسًا؛ لكنه فيما بعد صار ملكًا للملوك) وملك الملوك إذا وهب تأييده للانفصال فلا تسألن عن السبب، لكن أهل الظاهر تعنيهم دائمًا المظاهر والأسباب، ويقولون ما بال ملك الملوك يتنكر لحبه القديم، وشوقه إلى الوحدة الذي لم يسعفه فيه عرب ولا أفارقة ولا عجم المتوسط!.
أهل الباطن، الذين يجيدون قراءة الأعماق، يدركون ما يعنيه اليأس الذي يصيب الأخ العقيد مرةً بعد مرة؛ لأنه لا يجد حوله من يعينونه على الوحدة أو يقيمونه؛ وهو مطلب لم ينله من قبله خليفة رسول الله أبو بكر الصديق، والأهم من غياب المؤازرة وغياب التقويم هو منصب ملك الملوك وما يلقيه من تبعات على صاحبه.
وإذا كان الملك العادي مطالبًا بإصدار عدد معين من القرارات تناسب مقامه وموقعه؛ فما البال بمسئوليات ملك الملوك، وكيف يوفق بين ضرورات المنصب التي تتطلب من القرارات أضعاف ما يتطلبه منصب ملك عادي، على الرغم من خمول المنطقة الإفريقية التي تندر فيها الأحداث الجسام باستثناء القتل؛ الحدث الدائم في القارة السوداء؟!
الحل الوحيد والمنطقي؛ أن تعمل خطوط إنتاج القرارات لدى ملك الملوك بكل طاقتها، بصرف النظر عن الاتجاه الذي تصب فيه، لذلك نجد قرارات بالتسلح وتفكيك التسليح، قرارات بالوحدة اتحادًا مع العرب أو حلولاً في إفريقيا، ثم مؤازرة للانفصال.
إنها أمثولة الغزل ونقضه البنيلوبية انتظارًا لأديسيوس القادم، والقادم الذي ينتظره ملك الملوك قائد الثورة الليبية ليس فردًا بل أجيالاً تستوعب رسالته، وعندها سيتوقف فعل النقض، وسيمضي الغزل في اتجاه تحقيق لحمته نسيجًا ملونًا يسر الناظرين.
والقصور الذي يعانيه أهل الظاهر هو أن ما ينتظرونه يختلف كليًّا، ويقيسون النتائج على المقدمات؛ لأنهم لا يتمتعون بشفافية الرؤيا أو الرؤية.
نعم، الشواهد مرعبة حقيقة؛ فما ينتظر السودان هو التقسيم إلى ولايات، في ظل حكم سعيد بالسيطرة على الخرطوم، والرقص بالعصا في أوقات الفراغ، والمصير ذاته ينتظر العراق الذي يرعبنا أن تستقر تمزقاته الحالية، ومن قبلهما دول القراصنة والأصوليين في الصومال، ومن بعدهما إمارة غزة ومحمية رام الله في فلسطين المحتلة، ولا نعرف ما ينتظر بقية البلدان العربية، لأن في كل منها سببًا من الأسباب التي جعلت الأخ العقيد القائد الملك يعلن تأييده لانفصال الجنوب السوداني، ففي مصر اختلاف أديان وألوان، وفي المغرب اختلاف ألوان ولغات، وفي سوريا ولبنان اختلاف طوائف، وفي ليبيا اختلاف الفراغ؛ حيث يختلف هواء فزان عن هواء برقة، وكلاهما يختلف عن هواء طرابلس.
على أننا نستطيع أن ننظر إلى تصريحات الأخ العقيد ملك الملوك، بتفهم أكبر فلا نجدها شديدة السوء؛ لأنه أصدر قرارين يلغي أحدهما الآخر، حيث قال إنه سيمنح الجنوبيين بركته إذا انفصلوا؛ لكنه ينصحهم بالبقاء في الوحدة.
وبعيدًا عن هذه التعادلية الفكرية البنيلوبية التي اشترى بها الأخ العقيد خاطر الجنوبيين، وفي الوقت نفسه بصَّرهم بالأفضل، نستطيع أن نقول إن أوضاعنا مؤلمة حقًّا، في ظل حقبة من الكوميديا السوداء طالت وأكلت كل إنجازات التحرير، وإن كارثة السودان هي كارثة العراق ومصر وكل الأمصار؛ حيث لا توجد شعوب تغضب، ولا توجد اتحادات وتكتلات تقول هذا عيب وذاك خطر، لا منظمة الوحدة الإفريقية قالت هذا للبشير، ولا الجامعة العربية قالت لصدام أو ستقول للذين سيسقطون من بعده؛ فحكامنا الذين يشكلون قوام الجامعة العربية قوم مؤمنون، ويعرفون تعاليم الإسلام معرفة جمة، ويؤمنون بالسيد المسيح كما أمرهم الإسلام، ولذلك لا يرتكبون إثمًا أن يأمروا البشير بالبر وينسون أنفسهم، ولا يشيرون إلى الخشبة التي بعينه وينسون الخشبات في عيونهم.
وإذا كان حق الرعايا في حكومات وطنية ورشيدة وأقل كوميديا قد صار حلمًا بعيد المنال؛ فلا أقل من إقرار حقنا في نوع الاستعمار أو الاستحمار الذي يحكمنا.
كان شعار الوطنيين في مصر على مدار النصف الأول من القرن العشرين: "الاستقلال التام أو الموت الزؤام"، وتكلل النضال بحصولنا على المطلبين الاستقلال التام والموت الزؤام (الموت السريع)!!.
اكتشفنا أن استعمار الحقبة الأوروبية كان ضمانة لوحدة الأوطان؛ فالاستعمار الفرنسي بكل مآسيه والاستعمار الإنجليزي بكل قسوته شقا الطرق ومدا خطوط السكك الحديدية لاستخدام الجيوش؛ لكنها شكَّلت بالمصادفة رباطًا بين أجزاء الوطن المحتل، بينما تتداعى وحدة الأوطان في ظل الحقبة الأمريكية، التي- باستثناء تجربتي العراق وأفغانستان المريرتين- يمكن وصفها بالاستعمار عن بعد، أو الاستعمار الناقص، عبر وكلاء محليين أقل فطنةً من جنرالات فرنسا وبريطانيا.
ومن حقنا، ما دمنا لم نستطع الفكاك من الاستعمار في كل الأحوال، أن نطالب باستعادة الاستعمار المُعتبر؛ الاستعمار التام، فمن دونه ليس أمامنا إلا الموت الزؤام!.
----------
* (القدس العربي) في 29/8/2009م