قبل دخول شهر رمضان المبارك بفترة ليست طويلة ذهبت إلى زيارة أحد الأصدقاء، فلما وصلت باب العمارة التي يسكنها صديقي سلمت على الحارس الذي رحب بي وفتح باب المصعد، ركب معي أحد ساكني العمارة، ومن عادتي أن أقرأ الملصقات التي داخل المصعد وأنا أردد دعاء ركوب الدابة المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، فوقع نظري على ملصق جديد قد تميَّز على باقي الملصقات بألوانه الجميلة وإخراجه الرائع، وقد كتب على هذا الملصق عبارة "اللهم بلغنا رمضان"، صرت أردد هذه العبارة وأنا أعيد معلوماتي عن الصحابة الكرام الذين كانوا يدعون الله تعالى أن يتقبل منهم رمضان بعد صيامهم له ويقرنون هذا الدعاء بأن يبلغهم رمضان القادم، توقف المصعد، ثم خرجت منه، وودعت الأخ الذي كان معي فيه، ثم توجهت إلى شقة صديقي، ولما هممت بوضع يدي على مفتاح (الجرس) وقع بصري على نفس الملصق الذي لفت نظري في المصعد، فتح صديقي الباب وقابلني بالبشر والترحاب وبابتسامته التي لا تفارقه، ثم بدأ في مراسيم كرم الضيافة, جلست على الكرسي (الفوتيه)، ولكن هذه المرة أخذ تفكيري حال الأمة الإسلامية ومدى استعدادها لصيام الشهر الكريم رمضان المعظم... استمرار وجود الكيان الصهيوني العنصري الغاصب المحتل، الصلف الأمريكي وسياسة السيطرة والاستعمار، بل الاستحواذ على ثروات الأمة.
استبداد الأنظمة العربية والإسلامية والديكتاتوريات الجاثمة على صدور شعوبها، بل العبث بهذه الشعوب المغلوب على أمرها بفرض الأحكام العرفية، وتزوير إرادتها بتزوير الانتخابات في كل المجالات (البرلمانية والمحليات والعمال والتجاريين والطلبة والمهندسين والأطباء والمحامين وغيرهم) الفساد الذي عم وطم ووصل إلى الحناجر وليس إلى الركب كما قال أحدهم، كبت الحريات بأن يجرم كل عمل حر كفله الدستور ومن الحقوق الثابتة للشعب، بينما استعرض كل هذه الأمور وجدت نفسي أختم بغلاء الأسعار والفقر الذي أوشك أن يبتلع البشرية، ثم أخذني هذا التفكير إلى آخر محطة.. إلى (غزة هاشم).. صرت أسترجع وأحوقل، وارتفع صوتي قليلاً حتى سمعني صديقي وهو يقدم لي الشاي، قال صديقي: خيرًا إن شاء الله، ماذا حدث؟ قلت له: (فكرك أهل غزة حيصوموا إزاي وهم في هذه الحالة؟ قال مبتسمًا: سأصوم في غزة رغم الحصار!!! قلت: كيف؟ هل ستسافر إلى غزة؟ وهل سيسمح لك بذلك؟ قال: بل سأصوم في غزة وأنا معك هنا في مصر!! قلت: لا أفهم!! قال: اسمع يا صديقي، ثم قال كلامًا غاية في الجمال، كلامًا رائعًا، اهتزت له مشاعري وعواطفي، كلامًا أخذ بمجامع لبي وشغاف قلبي، قال لي: بالإرادة، بالقوة النفسية، ثم قال: (إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل، إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور:
1- إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف.
2- ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر.
3- وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل.
4- ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره.
يا صديقي!!: على هذه الأركان الأولية التي هي من خصوص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبنى المبادئ، وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة، قلت له: ما علاقة ما تقول بالصيام في غزة؟! قال: يا صديقي ما أقوله هو الطريق الذي إذا سلكه من يريد مساعدة أهل غزة حقق مراده إذا كان جادًا، قلت: كيف؟ قال: ركز قليلاً معي وانتبه إلى كلامي، ثم بدأ يشرح ببساطة شديدة وبثقة، فقال:
أولاً: بالإرادة القوية التي لا يتطرق إليها ضعف أستطيع أن أقدم مساعداتي وكل ما في وسعي لأهل غزة دون تردد ودون أن يقعدني شيء أو كائن من كان.
ثانيًا: بالوفاء الثابت أستطيع أن أستمر في تقديم هذه المساعدات مهما طال الزمن أو تغيرت الظروف والأحوال الأمنية أو الاقتصادية أو غيرها.
ثالثًا: وبالتضحية العزيزة التي لا يحول دونها طمع ولا بخل أستطيع أن أقدم كل غالٍ ونفيس دون تردد يدفعه طمع أو بخل.
رابعًا: وبالمعرفة بالمبدأ أستطيع أن أحمل القضية برمتها على عاتقي وأقاتل دونها ولا أخضع إلى انحرافات أو مساومات أو خدع.
قلت له: حتى الآن لم أفهم كيف ستصوم في غزة؟! قال وهو يعتدل في جلسته والجدية تملؤه والصدق ينير وجهه: نعم سأشرح لك ذلك، تابع معي هذه الخطوات... (النية): إذا نويت الصيام ليلة رمضان سوف أقرن هذه النية بأنني سأجعل صيام هذا الشهر متضامنًا مع أهل غزة تضامنًا كاملاً. (صلاة القيام أو التراويح): ليلة رمضان يذهب المسلمون إلى المساجد لأداء صلاة القيام، وذلك بعد إعلان دخول الشهر المبارك، أتذكر أهل غزة وأدعو لهم كثيرًا في صلاة التراويح، وأخصص حديثًا عن أحوال أهل غزة بين الأربع ركعات الأولى والثانية.
(السحور): في أول سحور أتذكر أهل غزة وماذا سيتسحرون وهل سيتسحر البعض منهم أم أنهم لا يجدون سحورًا، فأقتصد أنا في سحوري وأقلل من فخامته. (في نهار رمضان): أثناء عملي، أحاول تحين الفرص لنشر منهجي تجاه أهل غزة في هذا الشهر، وفي الصلوات أحاول أن أذكر الإمام بالقنوت والدعاء لأهل غزة. (في آخر النهار): أدعو لأهل غزة في هذا الوقت خصوصًا إذا كنت أتلو القرآن مع الناس ويكون ذلك بعد التلاوة. (عند الإفطار): لا أبدأ الإفطار إلا بعد الدعاء لأهل غزة فالدعاء مستجاب في هذا الوقت وبقدر الإمكان أخلص في الدعاء، أتذكرهم وأتخيل إفطارهم وأتخيل الذين لا يجدون الإفطار ولا يتوفر لهم ما نتناوله نحن بسهولة ويسر ودون شعور بمعاناة!! فأقتصد وأعاهد نفسي بعدم ملء معدتي مهما كان الطعام شهيًا. قلت له: ماذا يستفيد أهل غزة بما تفعله أنت لنفسك؟!! قال وهو يضحك: يا أخي الحبيب اصبر (أنا جاي في الكلام)، ثم قال: ... سأخصص صندوقًا أسميه (صندوق غزة) أضع فيه كل ما أتنازل عنه طواعية حبًّا وكرامةً لأهل غزة... أبدأ بالخشاف، سأكتفي بالبلح فقط وأضع المبلغ الذي كنت أخصصه للخشاف في صندوق غزة... هذه المرة لن أشتري لوازم رمضان بالجملة كاملة ولكن سوف أشتري ما أحتاج إليه يومًا بيوم، وأقتصد في الشراء... سأتنازل عن التنوع في الأطعمة وأتناول الفول المدمس فقط في الإفطار والسحور يومًا في الأسبوع... وفي باقي أيام الأسبوع سأحدد نوعًا واحدًا من الخضار في الوجبة... سأتفاهم مع الذين يتبادلون معي (العزومة) كل سنة أن نتنازل عن هذه الولائم لأهل غزة، وسنرى كم كانت تكلفنا، ثم نضع هذه التكاليف لأهل غزة... سأمتنع عن الحلويات التي تعودت عليها وأضع ثمنها في صندوق غزة... لن أتناول اللحوم إلا مرة واحدة في الأسبوع وأضع الباقي أي ما كنت أخصصه للحوم في صندوق غزة. قلت له: (حيلك، حيلك، إلا اللحمة، وبعدين مين يقدر على كل ما تقوله؟!!) قال وهو يضحك: أنا أقول ما عندي وأنت تختار ما تستطيع أن تفعله وتقدمه لأهل غزة. قلت له: أكمل. قال:... أما الكعك فسوف أمتنع عنه تمامًا هو وجميع الأنواع التي تتبعه، وسأضع تكاليفه في صندوق غزة... سأقنع أولادي بأننا سنقضي هذا العيد بملابسنا التي كنا نخرج بها ولن نشتري ملابس جديدة هذا العام تضامنًا مع أهل غزة... وسأخصص زكاة فطري لأهل غزة هذا العام وطبعًا دون مخالفة للفقه... سنجمع تبرعات في صلاة العيد لأهل غزة. قلت له: (والأولاد ذنبهم إيه تحرمهم من كسوة العيد؟!! وكذلك الكعك والحلويات؟!!). قال: الأولاد ليسوا محرومين ولكن يجب أن يشاركوا أهلهم في غزة وكذلك ليتعلموا ويتدربوا على التضحية والإيثار ونربيهم على هذا الخلق الرفيع، وهم يملكون القدرة والمهارة على ذلك. أما الفقراء وحرمانهم من زكاة الفطر هذا العام، فأوضاع أهل غزة أقسى من أوضاع فقرائنا بكثير. قلت: يا رجل برنامجك هذا قاسٍ جدًّا على الناس ولا يتحمله أحد!!! قال: يجب أن نضع أنفسنا مكان أهل غزة، بل نتوقع أننا ممكن يحدث لنا ما حدث لهم، تخيل ناس عايشين تحت الحصار ومن الذي يحاصرهم، الكيان الصهيوني العنصري الغاصب الغاشم الحاقد المحتل، ودخل عليهم غلاء المعيشة، طبعًا أهل غزة ممنوعون من مساعدات منظمة الغوث (الأونروا)؛ بسبب الحصار ولا شيء يدخل إليهم بسبب الحصار فلا مواد غذائية ولا أدوية ولا وقود ولا كهرباء ولا ماء نقي، وإعطال كل ما هو حيوي في حياتهم، فكيف يعيشون؟!!... أنت تقول عن برنامجي هذا قاسٍ، وأنا لا أفرضه على أحد ولا أطلب من أحد أن يأخذه كاملاً، بل أعرضه على الجميع وكل واحد يختار منه ما يستطيع فعله.
وجدت نفسي وقد شرد ذهني إلى حياة أهل غزة بدون كهرباء ووقود وماء وغذاء!!! ونحن لا نتحمل انقطاع التيار الكهربائي لمدة بضع ساعات وانقطاع الماء... فكيف يكون الحال إذا انعدمت هذه الضروريات الحياتية؟! قلت لصديقي وأنا أضيف إلى برنامجك ترشيد استهلاك الماء والكهرباء والوقود وخصم الزائد ووضعه في (صندوق غزة). قال صديقي: لقد انطبق عليك المثل (أعلمه الرماية كل يوم، فلما اشتد ساعده رماني)، ثم تعاهدنا على الالتزام بهذا البرنامج وتعاهدنا على (أن نصوم رمضان في غزة رغم الحصار).