موجة جديدة من الأخبار عن توريث نجل الرئيس مبارك، تشارك فيها الصحف المستقلة والمعارضة بشكل متساوٍ أو أكثر؛ مما تشير إليه- ما بين سطور- الصحف القومية، وهو الأمر الذي يساهم بشكل وافر في ترديد اسمه في الشارع المصري أكثر من أي وقت مضى، وعن قرب تمكين مبارك (النجل) من منصب الرئاسة!!، وغير خافٍ ما يحدثه ذلك التكرار من الاعتياد، وبالتالي إلغاء الدهشة أو الصدمة، كما أن ذلك حقَّق له شهرةً ما كانت تحققها أية حملات إعلانية، حتى وإن أنفق فيها ثروته وثروة أبيه، ويُلاحظ في حديث التوريث غياب أو تغييب أمرين:
الأول: وعود وتصريحات مبارك (الأب) النافية نفيًا قاطعًا لعملية التوريث، وقد كرر ذلك مرارًا أمام وسائل الإعلام المحلية والأجنبية.
الثاني: ما أكده مبارك (النجل)، وكرره مرارًا أنه ليست لديه النية، أو الرغبة حاليًّا، أو مستقبلاً في تولي منصب الرئيس؛ حتى عندما كررت إحدى المذيعات السؤال: "ولا في عام 2011م؟" أكد: "ولا في 2011م".
لماذا يهمل هذا النفي أو ذلك؟! بينما هو ما يجب أن تركز عليه القوى المناهضة للتوريث، وعلى أساس أن النظام ما زال جمهوريًّا، ولم ينقلب إلى الملكية حتى الآن؟ ولماذا لا نجعل من أقوال مبارك (الأب والنجل) النافية لعملية التوريث دليلاً نطالبهما دائمًا بالعمل على إثباته، وأن نكرر ونردد أن عدم الالتزام بهذه الوعود يفقدهما (الأب والنجل) مصداقيتهما، وبالتالي الأمانة المؤهلة للوصول إلى هذا المنصب الرفيع، والتوسع في نشر هذا المفهوم مع تبسيطه ليصل إلى الناس في صيغة؛ كيف نأمن على مستقبل الوطن لمن لا مصداقية أو أمانة له؟
بعيدًا عن الغياب أو التغييب، واتباعنا لنهج موضوعي في تحليل شخصية السيد (نجل الرئيس) المستهدف توريثه حكم مصر، هل يصلح مبارك (النجل) لحكم مصر؟
في تحليل يعتمد على نتائج مصفوفة تقييم علمية تقيس كلاًّ (من نقاط القوة والضعف، وكذلك الفرص والتهديدات) لشخصه نجد:
1- نقاط القــــوة:
أ) لطبيعة النظام الشمولي وسلطة الرئيس المطلقة، وانصياع كافة الأجهزة والمؤسسات لرأي السيد الرئيس، وما تكتسبه أسرته بالتبعية من نفوذ، حظي (النجل) مؤخرًا بهذا الوضع المتميز، وهذه القوة الظاهرية والمبنية على مركز والده، من أهم المصادر التي تطفي عليه المظهر القوي، والتي سرعان ما تنتفي بمجرد رحيل والده أو إزاحته عن السلطة.
ب) توليه رئاسة لجنة السياسات بالحزب الوطني بقرار من والده رئيس الحزب، وضم عناصر موالية أو طامعة أو مستفيدة من رؤساء بعض المؤسسات، أو من بعض أساتذة الجامعات، وصحفيين ورجال أعمال، وهو تحالف قوته محدودة التأثير بشكل عام على المستوى الشعبي، خاصة مع ما اشتهر به أعضاء (لجنة السياسات)، من قيامهم بأعمال مثل الاحتكار (حالة عز)، أو أعمال البلطجة والإجرام (حالة هشام مصطفى، شديد القرابة بجمال مبارك وأسرته)، أو كما في الإهمال (حسام بدراوي وحالات الوفيات بمستشفاه)، أو اتهامات بالرشوة حامت بـ(رجل الأعمال خميس)، وغيرها من المنسوب لأعضاء لجنة السياسات، والصراعات الخفية بين هذه اللجنة وبعض مؤسسات الدولة.
ج) رئاسته لجمعية المستقبل، والمدعمة من الدولة، ومن أموال المعونات الخارجية، والتي يزكي منسوبيها لتولي الوظائف المتاحة، أو الحصول على المنح والمشروعات؛ مما أدَّى إلى تسارع بعض الشباب الباحث عن وظيفة، أو سكن إلى الانضمام إليها، وتحسب من مصادر قوته، وإن كان غالبية المنضمين لها؛ هدفهم الانتفاع الوقتي، وليس بسبب الاعتقاد فيه كشخصية مؤهلة لرئاسة مصر.
2- نقاط الضعف:
أ) جميع نقاط القوة السابق الإشارة إليها مرهونة بوجود والده، وتصبح في غير صالحه، حال غياب والده.
ب) نظام حكم والده بات مكروهًا من كافة الفئات الشعبية، ولم يتبق له رصيد محبة أو احترام، يساند أو يدعم فكرة تولية نجله منصب الرئاسة من بعده.
ج) رئاسته للجنة السياسات المتبنية لبرامج اقتصادية بعينها، وانحيازها الواضح لرجال الأعمال والأغنياء، زادت من صعوبة المعيشة لغالبية فئات الشعب، وكراهيتهم لبرامجها وتوجهاتها، تجعله مرفوضًا بشكل شبه تام من جموع المواطنين.
د) عن شخصيته:
* لا تتوافر فيه أيٌّ من صفات الزعامة أو القيادة، ويغلب عليه الطبع الحاد؛ كموظف روتيني سابق؛ حيث لم يعرف له أي ممارسات، أو اهتمامات سياسية، قبل هبوطه على لجنة السياسات بقرار من والده، كما لم يقترب في حياته من أفراد الشعب بحكم نشأته في القصر الرئاسي، وتعليمه بالمدارس الأجنبية والجامعة الأمريكية، والتحاقه بالعمل كموظف بأحد البنوك الإنجليزية في بريطانيا.
* غير قادر على الظهور الجماهيري بدون الحراسة المكثفة، ويستحيل عليه المشاركة في غير اللقاءات سابقة التجهيز؛ حيث لم يسبق له التمرس على العمل السياسي والحزبي، ولم يتمكن حتى من الاحتكاك المباشر مع قواعد الحزب الذي يشغل فيه منصب أمين لجنة السياسات.
* احتكاكه بالعالم الخارجي العربي أو الأجنبي محدود للغاية، فلم يسمع عن مشاركات سياسية، أو آراء في المشكلات الدولية أو الإقليمية، باستثناء مشاركته في مؤتمر (دافوس)، وليس له علاقات عربية واضحة.
* زيارته الأخيرة للولايات المتحدة أثارت تكهنات ليس لها أساس من الصحة، والحديث الذي أدلى به إلى فريد زكريا؛ هو نوع من الانتهازية وتبادل المصالح، ويتم كنوع من الدعاية الانتخابية الموجهة من المذيع، تحسبًا لوهم أو حلم راود المذيع، وما يمكن أن يرد له مستقبلاً!!، وأبرز التعليقات في الولايات المتحدة على عبارة (رئيس مصر القادم) التي ظهرت أسفل الصورة، أحدثت رد فعل عكسي؛ حيث اعتبرت بمثابة مصادرة لأصوات الناخبين؛ وهو أمر ذو حساسية شديدة بالنسبة للمجتمعات الديمقراطية!!، وقد كان التعليق الحاسم للمتحدث الرسمي للخارجية الأمريكية: "هذه قضية يحكمها الشعب المصري".
3- الفرص:
أ) وجود والده في السلطة، وموافقته على الاعتزال، وإنابة الحكم له هي الفرصة الوحيدة لعبوره إلى الحكم الذي لن يكون استمراره فيه بالأمر الهين.
ب) حالة اليأس العام التي تسود بين الكتلة الصامتة من جماهير مصر، وانصرافها وعزوفها عن المشاركة السياسية، يمكن أن تكون أهم الفرص المتاحة لعملية تزوير انتخابات، تنتهي بحصوله على أغلبية كبيرة في مواجهة منافس متفق عليه من الأحزاب الورقية، تمكنه من الوصول إلى الحكم.
ج) أصحاب المصالح أو أصدقاؤه من رجال الأعمال الجدد، أو الطامعون في تحقيق مكاسب من وراء تنصيبه؛ سيحاولون الوقوف معه ومساندته، ولن يتورعوا عن رفع شعارات التغيير والإصلاح، ووصفه بصاحب "الفكر الجديد"؛ للشوشرة على الأصوات المعارضة، واستمالة بعض الجماهير التي يسهل خداعها.
د) لعبة التوازنات التي قد تمارسها بعض الجماعات، أو الأحزاب المغمورة، ومقايضة مساندتها، وتأييدها له مقابل تخفيف القبضه الأمنية من عليها (كما في بعض مواقف الإخوان)، أو مقابل بعض المزايا والمناصب (بعض الأحزاب)، أو للحصول على بعض المطالب الطائفية، (وشاهدنا ذلك في مخاطبته من قِبل بعض الرموز المسيحية)، أو كما ظهر مؤخرًا من قيام أحد الأحزاب المغمورة (شباب مصر) "هكذا اسمه" بالإعلان عن ترشيح رئيسه لانتخابات الرئاسة عام 2011م (هكذا!!)، وهو أمر متوقع من مثل هذه الأحزاب الورقية؛ للقيام بدور الكومبارس، ولإضفاء صفة المنافسة في الانتخابات الرئاسية، وهو موقف شبيه بموقف رئيس حزب (الأمة) الشيخ الصباحي الذي خاض انتخابات 2005م الرئاسية، وأعطى صوته للرئيس مبارك!!!.
ز) الاعتماد على التأييد "الإسرائيلي" المناصر، والمساند لنظام والده، خاصة إذا ما قلصت الولايات المتحدة من اهتمامها بالمنطقة، وهو أمر وارد بسبب انشغال الإدارة الأمريكية في الأزمة الاقتصادية وتداعياتها، وقضايا الانسحاب العسكري من العراق، وترك إعادة تخطيط المنطقة لـ"إسرائيل"، أو على الأقل وفقًا لمصالح "إسرائيل" وأمنها، وهو واحد من أهم أسباب استمرار الإدارة الأمريكية في مساندة النظام المصري، والتغاضي عن ممارساته في إنهاكه لحقوق الإنسان، واستخدامه للعنف والقسوة في التعامل مع المعارضة، وانصرافه عن الإصلاح السياسي والديمقراطي.
4- التهديدات:
أ) من أهم خصائص الشأن السياسي المتصل بالجماهير المصرية أن مظاهر ما يجري على السطح ليس بالضرورة هو تعبير عن حقيقة التفاعلات الداخلية التي يموج به المجتمع، وكثيرًا ما جاءت حركة الجماهير مخالفة لتوقعات المحللين، وبالتالي فردود الفعل التي يمكن أن تنجم حال قيام مبارك الأب بتولية (نجله) الحكم، قد تؤدي إلى آثار غير محدودة؛ مما يهدد فكرة التوريث من الأصل، حفاظًا على الأوضاع في مصر والمنطقة بأثرها (ضغوط داخلية أو خارجية).
ب) قد يكون الرئيس مبارك نجح في إقصاء منافسيه، وواصل حكمه تحت ادعاء أنه يكتسب شرعيته من كونه استمرارًا لثورة يوليو 1952م، وهو أمر مختلف بالنسبة لنجل الرئيس، سواء من حيث الشرعية أو قوة المنافسين، وليس أدل على ذلك من نتائج مبادرة تحالف المصريين الأمريكيين (منظمة مصرية بالولايات المتحدة) في الصيف الماضي، عندما طرحت فكرة ترشيح بدلاء (لنجل الرئيس)- لتولي المنصب الرفيع- تلقت العديد من أسماء الشخصيات المصرية المرموقة، والتي تحمل تاريخًا وطنيًّا بجانب النزاهة والطهارة، وتوليها مناصب ذات شأن عظيم في المجتمع الدولي أظهرت فيه قدراتها، وحظيت باحترام دولي إضافة إلى تأييد وشبه إجماع من طوائف الشعب المصري عليها.
ج) سيكون لرفض جماعة الإخوان المسلمين لعملية التوريث أثره القوي والمباشر لإفشال عملية التوريث، وحسم القضية بصرف النظر عن مدى رغبة مبارك الأب أو الابن، أو القوى المؤيدة والمساندة لعملية التوريث.
د) القوى الخارجية التي تسعى للحفاظ على استقرار مصر والمنطقة لن تضحي بمصالحها وفقد بقية رصيد من الود، من أجل مساندة مشروع لن يحظى بالتأييد الشعبي ومخاطر تنفيذه أكبر من أية مزايا يمكن أن يحققها لها.
ز) القوات المسلحة، والحرس القديم، وأصحاب الامتيازات الحالية لا يأمنون له، وبالتالي يشكلون تيارًا سريًّا في معارضة توريثه.
تشير الحسابات النهائية لنتائج هذه المصفوفة إلى:
- انخفاض نقاط القوة مقابل ارتفاع نقاط الضعف، ونقص في الفرص مقابل زيادة في التهديدات.
----------
(ملحــوظة)
أترك للقارئ الكريم أن يتولى هو بنفسه حساب نقاط القوة والفرص، مخصومًا منها نقاط الضعف والتهديدات لحسم قضية طال الحديث فيها بأكثر ما تستحق.
----------
* باحث سياسي- كاليفورنيا/ الولايات المتحدة
* s. elbaga@yahoo.com