تتعدد الرؤى لمسار الحركة الإسلامية في علاقته بمسار الحركة الوطنية، وتلك الرؤى ترسم في الواقع تحيزًا معرفيًّا وسياسيًّا محددًا، فكل رؤية تقوم على موقف فكري أو سياسي، يحدد كيفية تقييم العلاقة بين الحركة الإسلامية والحركة الوطنية.
والكثير من التصورات تباعد بين الحركة الوطنية وتلك الإسلامية، وبعضها يقيم هذا التباعد على أساس أن الحركة الإسلامية ذات مشروع عالمي، والبعض الآخر يقيم هذا التباعد على أساس أن الحركة الوطنية ليست إسلامية، وهناك من يحاول أن يربط بينهما دون تحديد لأسس تلك الرابطة. كما أن البعض يحاول جعل الحركة الوطنية محكًّا أو معيارًا تقاس عليه الحركة الإسلامية، لتحديد مدى وطنيتها أو على الأقل تحديد مدى انسجامها مع مسار الحركة الوطنية.
فما هي الحركة الوطنية؟
من أهم مشكلات معاركنا السياسية هي عدم محاولة تحديد المعاني المقصودة بالمصطلحات المتداولة، بما يسمح بجعل كل مصطلح أداة في الصراع السياسي، دون أن يكون أداة للمعرفة والفهم السياسي.
وإذا نظرنا لمسار الحركة الوطنية في مصر، سنجد أن ذلك المسار يعبر عن أكثر من مشروع أو موقف. فهناك المسار السياسي للحركة الوطنية المصرية، وهو مسار مواجهة الاستعمار وتحقيق الاستقلال. وذلك المسار الممتد عبر التاريخ، هو الذي يتواصل من ثورة عرابي وثورة 1919، ثم يستكمل مع انقلاب يوليو، الذي تحوَّل إلى ثورة يوليو 1952م.
هذا المسار تحقق بالفعل في الشارع المصري، وجمع الجماعة الوطنية المصرية في مواجهة الاحتلال. وهذا المسار يجعل الحركة الوطنية، هي حركة الاستقلال الوطني المصري، أي حركة تحرير مصر من الاحتلال.
ولكن هناك مسارًا آخر للحركة الوطنية، تم رصده وبلورته من قبل النخب السياسية والثقافية، وهو المسار الذي ربط بين الحركة الوطنية وإعادة تأسيس الجماعة الوطنية المصرية. ويقصد به، أن الحركة الوطنية المصرية أعادت تأسيس الجماعة الوطنية، على أساس مشروع الدولة الوطنية الحديثة، وبالتالي تم بناء تراث جديد للدولة الوطنية، وعلى أساسه تم بناء تأسيس جديد للجماعة الوطنية المصرية.
هذا المسار يمثل في الواقع رؤية ترى أن الجماعة الوطنية المصرية تمت إعادة بنائها على أسس وطنية خالصة، لتصبح جماعة مصرية خالصة، ليس لها أي بعد حضاري آخر، وليس لها روابط بأي هوية أخرى. ويفترض أن هذا أعاد بناء الجماعة الوطنية على أسس تحقق المساواة بين المسلم وغير المسلم، من خلال هوية وطنية خالصة، ليس لها أي بعد ديني. وبهذا تشكلت أسس جديدة لتعريف المواطن وتعريف الوطن، وتشكلت من تلك الأسس حركة وطنية تبغي بناء الوطن، وتبغي بناء الوطنية المصرية، والدولة الوطنية المصرية الحديثة.
والواضح أن مسار بناء الوطنية المصرية الجديدة، له علاقة بفكرة بناء الدولة والوطن والجماعة الوطنية على أسس علمانية (تسمى أحيانًا مدنية)، لا تستند إلى أي مرجعية دينية، وبالتالي فإن مسار الحركة الوطنية شهد ضمنًا عملية تحييد دور الدين عن المجال العام، وبناء جماعة وطنية على أسس قومية قطرية، لا تعترف بمرجعية الدين، ولا تعترف كذلك بأي مرجعية حضارية حاضنة لها.
تلك الصورة تمثل في الواقع الحالة الليبرالية العلمانية التي وصل لها حزب الوفد، بعد أن كان ثورة شعبية حاضنة لكل المجتمع المصري، فأصبح يمثل تيارًا علمانيًّا ليبراليًّا، وتلك الصورة أيضًا تمثل واقع حركة الضباط الأحرار، والتي بدأت ثورة شعبية، ثم مالت إلى العلمانية الرأسمالية في الخمسينيات، ثم العلمانية الاشتراكية في الستينيات.
وتاريخ حكم الضباط الأحرار، شهد أيضًا بناءً للجماعة الوطنية المصرية، داخل إطار القومية العربية، وبدون إسناد للمرجعية الحضارية الإسلامية، ثم تحولت الدولة بعد ذلك ومنذ عهد الرئيس الراحل أنور السادات، إلى بناء الهوية الوطنية الخالصة، والتي تقوم على أساس قومي قطري، وتفك روابطها بأي إطار مرجعي حضاري أوسع منها.
من يحدد الحركة الوطنية؟
هناك فرق إذن، بين القول بأن مسار الحركة الوطنية المصرية اتجه نحو تحرير مصر من الاستعمار، وبين القول بأن مسار الحركة الوطنية قام على إعادة بناء الجماعة المصرية على أسس قومية قطرية علمانية خالصة.
فالواقع يؤكد على أن حركات التحرر التي مثلت علامات مهمة في الحركة الوطنية المصرية، مثل حزب الوفد وحركة الضباط الأحرار، قامت أساسًا من أجل التحرر الوطني، ولكنها تحولت لبناء نظام علماني، ولإعادة تعريف الهوية الوطنية المصرية، لتصبح هوية وطنية قومية قطرية خالصة، تربطها روابط المصالح المادية بالإطار العربي والإسلامي، دون أن تكون الجماعة الوطنية المصرية جزءًا من الأمة الإسلامية؛ لهذا سنجد حضور البعد العربي والإسلامي ظاهرًا عبر سنوات القرن العشرين، ولكنه يتراجع نسبيًّا مع الوقت، حتى وصلنا إلى القرن الحادي والعشرين، لنجد أن محصلة الحركة الوطنية المصرية، هي دولة قومية قطرية مستبدة، تفك عرى الروابط الحضارية للجماعة المصرية مع مرجعيتها العربية والإسلامية.
وهذه ليست محاولة لمعرفة دور كل مرحلة من مراحل الحركة الوطنية ومسئوليتها عن النتيجة النهائية التي وصلنا لها، ولا هي محاولة لمعرفة مدى التزام كل مرحلة بالمرجعية الحضارية للجماعة المصرية، كما يتصورها أبناء تلك الجماعة، ولكنها محاولة لرصد مسارين للحركة الوطنية، هما في الواقع مسار التحرر من الاستعمار ومسار علمنة الدولة والنظام السياسي والمجتمع.
وعليه نقول إن الحركة الوطنية المصرية، قامت في الواقع كحركة تحرر من الاستعمار، تهدف إلى بناء نظام علماني، وعليه تكون قد هدفت أيضًا لبناء الجماعة الوطنية المصرية على أسس جديدة، هي الأسس العلمانية للدولة القومية القطرية.
وإذا وضعنا محكًّا مهمًّا لأي حركة وطنية، وهو أن الحركة الوطنية هي التي تمثل تعبيرًا عن الرغبة الشعبية العامة، وتحمل مهمة تحقيق أحلام وآمال الجماعة الوطنية، عندئذ يمكن أن نقول إن هدف الاستقلال كان هدفًا للجماعة الوطنية المصرية، ولكن هدف العلمنة كان هدفًا للنخب العلمانية ولم يكن هدفًا شعبيًّا. لذا تختلف رؤية الحركة الوطنية، بين من يركز على عملية التحرر والاستقلال، وبين من يركز على عملية العلمنة.
ومن الضروري القول، بأن تحقيق الاستقلال من خلال بناء دولة علمانية ونظام سياسي قومي قطري علماني، أدَّى في النهاية أيًّا كانت النوايا إلى السقوط مرةً أخرى تحت الهيمنة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة. فلم تكن العلمنة إلا حالة أضعفت المجتمع، وفكت روابط الأمة الإسلامية، وأقامت النظام السياسي على النموذج الغربي؛ مما أدى إلى تأسيس حالة القابلية للاستعمار، وبعدها عاد الاستعمار مرة أخرى، ولكن في صور جديدة، فقد أصبح هيمنة خارجية تحكم من خلال نخبة محلية تسلمت السلطة من جيل الحركة الوطنية المصرية.
الإسلاميون والحركة الوطنية
لعل من المشاهد المهمة في التاريخ، هي تلك التي تحكي قصة تأييد جماعة الإخوان المسلمين لحركة الضباط الأحرار، والتي قام بها جمال عبد الناصر عضو الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين، من خلال الجناح العسكري للجماعة، بعد أن طلب أن يستقل بقيادة وحركة هذا الجناح عن جماعة الإخوان المسلمين، وأذن له بذلك، وبعدها بدأ مشهد الصدام بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين، والذي امتد لنصف قرن، اختلفت فقط في الدرجة والشدة، مع فترة استراحة قصيرة في عهد أنور السادات وحسني مبارك.
ولكن هناك مشهدًا آخر، فقد أسست في منتصف الستينيات حركة التحرر الوطني الفلسطيني فتح، ولاقت تأييدًا من جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، ودخلها بالفعل عددٌ من أعضاء الجماعة، وكانوا من قياداتها. ثم تم حسم الخطوط الفاصلة بين الحركتين، وظلت العلاقة قائمة على التوافق على تحرير أرض فلسطين كاملةً، ولكن بعد عدة عقود، نجد صدامًا حادًّا بين حركة المقاومة الإسلامية حماس، التنظيم الأحدث للإخوان المسلمين في فلسطين، وبين قيادات حركة فتح المسيطرة على الحركة والمسيطرة كذلك على منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية. وهو ليس صدامًا عاديًا، ولكنه محاولة من قيادات حركة فتح للتخلص من حركات المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس والقضاء عليها.
وبين محاولة القضاء على جماعة الإخوان المسلمين في مصر، أو محاولة القضاء على دورها السياسي، وبين محاولة القضاء على حركة حماس في فلسطين، أو القضاء على دورها المقاوم، علاقة مهمة تكشف عن تغير مسار الحركة الوطنية التي قامت من أجل الاستقلال، وتحولها إلى مشروع علماني تحت السيطرة والهيمنة الخارجية، وتحولها أيضًا إلى جزءٍ من منظومة الهيمنة الأمريكية الصهيونية في المنطقة، أي جزء من شبكة الدفاع عن المصالح الغربية ضد الحركة الإسلامية.
باختصار يمكنا رسم صورة لموقف الحركة الإسلامية من الحركة الوطنية، فعندما كانت الحركة الوطنية هي حركة استقلال نالت تأييد الحركة الإسلامية، ولكن الحركة الإسلامية ظلت تعمل من أجل الإصلاح الحضاري الشامل وتحقيق وحدة الأمة وتحقيق نهضتها.
وعندما أيَّدت الحركة الإسلامية حركات التحرر الوطني، كانت بذلك تؤكد أن الاستقلال مطلب شعبي، وهو مطلب كل أبناء الحركة الوطنية، وهنا أكدت الحركة الإسلامية أن تحرير الأوطان من أهم مطالبها ومهامها، وأن حماية الوطن والحفاظ عليه، من أهم مهام الحركة الإسلامية، وخطابات حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأول، واضحة وجلية في هذا الشأن.
ولكن الحركة الإسلامية، اختلفت بعد ذلك مع مشروع العلمنة، ومشروع تأسيس دول قطرية قومية لا تترابط فيما بينها، وهو مشروع تفكيك الأمة الإسلامية إلى دول قطرية ذات قوميات منفصلة، وهويات منفصلة أيضًا، فمشروع تفكيك الحضارة الإسلامية والأمة الإسلامية، من خلال العلمنة، هو في الواقع يمثل العدو الأول للمشروع الإسلامي.
والمهم هنا أن مشروع العلمنة لم يكن مشروعًا شعبيًّا أو جماهيريًّا، بقدر ما كان مشروعًا فرضته نخب الحركة الوطنية على الجماهير من خلال دولة الاستبداد القومية القطرية، وعليه لم يكن مشروع العلمنة جزءًا من الحركة الوطنية، بل كان ضربًا لها وخروجًا عليها، وخروجًا على الجماعة الوطنية المصرية، والتي تستمد هويتها من مرجعيتها الحضارية، والتي تقوم على القيم الشرقية الدينية المحافظة، لا على القيم العلمانية.
أسس الحركة الوطنية
بهذا نرى كيف أن نخب الحركة الوطنية قد خرجت عن مسار الحركة الوطنية، فالحركة الوطنية هي الحركة التي تحقق للجماعة الوطنية في بلد ما الحرية والاستقلال، وتحقق لها المرجعية التي تختارها. ونخب الحركة الوطنية عندما عملت من أجل الاستقلال، نالت تأييدًا شعبيًّا، ونالت أيضًا تأييدًا من الحركة الإسلامية، ولكن عندما عملت من أجل العلمنة، لم تنل تأييدًا شعبيًّا ولم تنل تأييدًا من الحركة الإسلامية، وتحولت إلى نخب خارجة على الحركة الوطنية وعلى الجماعة الوطنية.
وبقيت الحركة الإصلاحية الحضارية، ممثلة للتيار الأساسي للحركة الوطنية، وهي الحركة التي ظلت تنادي بالاستقلال الكامل، كما نادت في الوقت نفسه بالاستقلال الحضاري، واستعادة الأمة لهويتها ووحدتها.
ومن هنا عبرت الحركة الإصلاحية الإسلامية، عن مجمل ثوابت الجماعة الوطنية، والتي تلقى تأييدًا شعبيًّا واضحًا، وهذا التأييد هو المعبر عن ثوابت الجماعة الوطنية، وبالتالي فهو المحدد لثوابت أي حركة وطنية، فما دامت الجماعة المصرية ترتبط بهويتها العربية الإسلامية، وما دامت تطالب بوحدة الأمة ونهضتها، لذا تصبح الحركة الإسلامية وهي التي تحمل تلك الثوابت، هي الممثلة الحقيقية للحركة الوطنية.
وعليه نرى أن قيادة الحركة الوطنية قد سلمت بحكم التأييد الشعبي للحركة الإسلامية، وأخرجت منها نخب الحركة الوطنية السابقة، والتي استسلمت للهيمنة الخارجية، كما أخرجت منها النخب العلمانية والتي تصر على نشر رؤى تخالف قيم الجماعة المصرية، وبهذا دخلت الحركة الوطنية في مصر وغيرها من البلاد العربية والإسلامية، في مرحلة التحرر الحضاري الشامل، والتي تمثل الحركة الإسلامية طليعتها، فأصبحت الحركة الإصلاحية الإسلامية ممثلة لثوابت الجماعة الوطنية، ومعبرة عن هويتها وأحلامها وأشواقها، وحاملة لمرجعيتها الحضارية والدينية.