من الغريب أنه في ظل الانفتاح الثقافي والإعلامي، نجد أن هناك من الكُتَّاب مَن لا يدرك مداخل قراءة التاريخ الاجتماعي والسياسي والديني للمجتمعات والشعوب، ويخلص إلى نتائج لا علاقةَ لها بتطور المجتمع ومحتواه الثقافي، وهذا ما يوصلنا إلى حالة تطرفٍ في الفكر وفي النظر إلى الأمور.

 

وقد ورد في مقال نبيل شرف الدين في عموده بجريدة (المصري اليوم) القاهرية بتاريخ 17/8/2009م على مثل هذه الأفكار حين زعم، وقال: "إن العلمانية أو الدولة العلمانية هي التي تسمح بتعدد الآراء، وتعدد الأعراق، وتعدد التخوم، وقادرة على استيعاب كل الأجناس من كل لون".. وهذا في الحقيقة انقلاب على الواقع؛ لأن ما ذكره ما هو إلا واقع كان في إطار الدولة الإسلامية.

 

ما بعد إلغاء الخلافة الإسلامية سنة 1924م، وتحويل الدولة المصرية إلى دولة علمانية كما يزعم.. قامت أول ما قامت بتهميش الدين بل إبعاده قسرًا عن حياة الناس وغيبتهم عن دينهم وعن هويتهم، وعمل الاحتلال على ذلك منذ محمد علي وحتى يومنا هذا في المشروع الذي يزعم به الكاتب هو مصر العلمانية.

 

ولعلي لا أبالغ أيضًا حين أقول إن هناك قلبًا للحقائق وسرقة لتاريخ الإسلام وإلباسه تاريخًا مغلوطًا قمنا بدراسته في مدارسنا طيلة هذه الأعوام، حين يدَّعي أن الإسلام هو العلمانية.

 

ومن المتعارف عليه أن الإسلام هو الذي سمح في أول قيامٍ لدولة الإسلام في المدينة باستيعابِ كل من في المدينة من يهود ومشركين ومنافقين طالما كانوا جميعًا يعملون لصالح الدولة ولا يلتفون ويحيكون المؤامرات، وعندما قام اليهود بأول مؤامرة على الدولة وثانية وثالثة ورابعة قام النبي صلى الله عليه وسلم بإجلائهم من الدولة التي لم يحترموا قوانينها ونظامها.

 

الدكتور نبيل شرف الدين يدَّعي زورًا وبهتانًا أن تاريخ الدولة الإسلامية ما هو إلا تاريخ الدولة الدينية.. يا ترى ما هي الصورة التي يريد أن يرسمها للقارئ حين يدَّعي هذا، ويكرر الدولة الدينية، هل يقصد الدولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أم في عهد الخلفاء الراشدين أم في عهد الخلافة حتى عام 1924م، أم ما شابهها من بعض التجاوزات التي حدثت في حقِّ الشعب المصري منذ عام 24 وحتى اليوم؟.

 

لكن يبدو- والله أعلم- أن الكاتب إما يعرف أو لا يعرف أن الإسلام ليس دينًا كهنوتيًّا، ولكنه هو الحالة التي بين العبد وربه، فلماذا يقلب الحقيقة ويسرق الإسلام؟.

 

ولعلي لا أبالغ حين أزعم أن الكاتب انطبق عليه حكاية الفيل والعميان؛ ففهم الإسلام على ما يريد أن يفهمه هو، لا أن يفهم الإسلام على حقيقته، بل لا أتجاوز إن قلت إنه يُلبسه ما ليس فيه.

 

وما دخل الأستاذ سيد قطب عندما يفهم كلامه على غير المعنى الذي يريد أن يقول، بل والتطاول عليه إلى حدِّ اتهامه بأنه قام بتكفير المجتمع أو تجهيله، وهو الرجل الذي عاش ومات في سبيل الفكرة الإسلامية الصحيحة التي هي في الأصل حماية المجتمع من الأفكار التي تفتك به.

 

ونؤكد أنه لم يدَّع أحدٌ من الإخوان يومًا ما زعمه نبيل شرف الدين، ولم يفهموا أنه دين كهنوتي، ولكنهم فهموا الإسلام فهمًا صحيحًا، كما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم، ودعوا إلى هذا الفهم الصحيح.

 

في النهاية.. إن المقال لو أحسن الكاتب وأنصف لقال "جمهورية مصر الإسلامية"، ولكنه قصورٌ في فهم طبيعة الإسلام، أو بالأحرى عدم الفهم الصحيح للإسلام.