في عام 1983م, أهدى المكتب الثقافي السعودي بالقاهرة إلى إخوان الإسكندرية, عددًا كبيرًا من المجلدات التي تحوي على إصدارين كبيرين من أمهات الكتب الإسلامية: مختصر تفسير ابن كثير, ومختصر التفاسير للصابوني، وقد اختاروا الإخوان لثقتهم بتوزيعها على من ينتفع بها, وكان علىَّ إحضار هذه الكمية التي استلزم حضورها عربة نقل كبيرة (تريلة), وحيث كنت وقتها في العشرينات من العمر؛ فقد نجحت المغامرة في يسر وسهولة, رغم أن الأمن آنذاك استولى دون حق على كميات بعض المحافظات الأخرى, وكان وصولي عند صلاة الفجر, وببركة الصلاة بالمسجد استعنت بالمصلين, ولم يتجاوز الأمر دقائق معدودة, وكأن الملائكة كانت تسبقنا في ذلك, حتى أصبحت الكمية في أحد المخازن, ثم ذهبت للحاج الوالد: محمود شكري أبلغه بوصول الهدايا, الذي شكرني وطلب مني أن أذهب إلى البيت للاستجمام والراحة.

 

وفي تمام الساعة العاشرة كنت بكامل أناقتي في مكتب الحاج محمود, الذي أبلغني بأن الهدايا قد وصلت لأصحابها الذين سيهدونها بدورهم إلى الصالحين من شعب الإسكندرية, ولم يتبق لدينا سوى ثمان كراتين, تحوي كل كرتونه على ثمان نسخ, والنسخة كانت عبارة عن ثلاثة مجلدات من القطع الكبير, وحمدنا الله تعالى على هذا الإنجاز السريع, ودعوناه بالخير لصاحب هذا النفع الكبير, بالأجر والمثوبة منه تعالى. وبينما نحن في هذه المشاعر الفياضة, إذا بقوات الأمن تداهمنا قائلة: أين الكتب؟ فقلنا: ابحثوا عنها في المخازن, فعثروا على الكراتين الثمانية, وكأنهم على موعد معهم, ولم نكن ندري, لماذا استبقينا هذه الكمية؟ ويا ترى ستكون من نصيب مَن هذه الهدايا؟ حتى علمنا بعد ذلك أن هذه النسخ قد وزعت في أول احتفال لعيد الشرطة على الضباط والجنود, فحمدناه تعالى على جميل حكمته وتمام أفضاله, أنها لم تذهب بدون فائدة, وسألنا الله أن يجعل فيها نفعه لمن أخذها وأهله وأبنائه.

 

وهذا يدعونا إلى أن نتساءل: هل هناك عداء بين الأمن والكتاب؟ أم أن العداء بين النظام والكتاب ؟ أم أن العداء بين آخرين والكتاب؟.

 

ما الفائدة التي تعود على الأمن بالمداهمة أو المصادرة؟ هل هم  بحاجة إلى هذه الكتب بالمجان, لمرتباتهم المتدنية في اقتناء كتب رمضان للاستفادة بهذه الفرصة الإيمانية النادرة؟ وهل النظام في حاجة لهذه الكتب المصادرة, لسد العجز الاقتصادي, ودفع الديون, والصرف على التشاريف والمواكب وحفلات الإفطار والسحور لإتمام أيام الشهر الفضيل؟

 

لو كانت هذه المداهمات للاستفادة بالكتب الرمضانية أو للإفطار والسحور فلا عداء إذن بين الأمن أو النظام مع الإخوان حول كتب رمضان الكريم, فلماذا ما يواكبها من اعتقالات لأصحاب المكتبات؟ وإن كانوا مسنين وقطع أرزاق العاملين والعاملات بالمكتبات؟ وإن كانوا يبحثون عن لقمة العيش في زمن البطالة!.

 

هل يمكن القول بأن آخرين وراء هذا الحقد على الطاعة في رمضان؟... نعم وألف نعم, الشيوعيون والعلمانيون والليبراليون واللا عقلانيون والمنتفعون والمختبئون تحت الترابيزة والمتسلقون والراكبون لأي تيار وميكرفونات أية سلطة, ووووووو...... هم الذين منحوا القمني جائزة الدولة لقاء طعنه في الدين, فرحين بأن الأدب والثقافة والإعلام في مصر في أيديهم وتحت سيطرتهم!، فلماذا هم خائفون من الإخوان؟ ومرتعبون من الإسلام؟ وهلعون من كتب رمضان؟.

 

قائدهم وعدونا الشيطان يستعد قبل اختفائه, ليفسد على الناس صيامهم, ويمنع عنهم خيرات الشهر المبارك؛ حيث إنهم لم يصمدوا أمام الكتب الرمضانية!!.

 

إنهم يتسترون بالنظام؛ لأنه يحرك الأمن, لمنافعهم ولتحقيق المخبوء في صدورهم, من مداهمات ضد الإيمان الذي لا يعرفونه, وضد الطاعة التي تهدد مصالحهم, إن كان عمر بن الخطاب كان يستقبل رمضان بقوله: (مرحبًا بمطهرنا من الذنوب), أما آن لنا أن نخاطب عقلاء النظام وشرفاء الأمن, إذا جاء رمضان, بأن نقول: مرحبًا بمطهرنا من هذه السيئات وإن زعمت المصرية، وهذه السوءات وإن ادعت الوطنية، فلا مصلحة للوطن بهم والأمن القومي يدري ذلك جيدًا, ولا أمان للنظام إن استعان بهم, وهو يعلم ذلك عبر التاريخ, سواء القديم أو الحديث, فمتى يعي العقلاء ذلك؟ ومتى يفهم الشرفاء مهمتهم؟.

 

أسأل الله أن يكون هذا الشهر مطهرنا من الذنوب وهؤلاء! اللهم آمين.

----------------

* gamalmady@yahoo.com