![]() |
|
د. محمد عبد الفتاح دهيم |
من ضمن سياسات اليهود والكيان الصهيوني في التفاوض مع الآخر استحداث أمور فرعية وافتعال أحداث تشغل الآخر عن القضايا الرئيسية، لعل الطرف الآخر ينشغل بهذه الأمور الفرعية ويتفاعل معها.
ولقد أبدعوا في هذا الخداع أثناء تفاوضهم مع السلطة الفلسطينية، وحصلوا على نتائج فاقت الخيال الإجرامي لهذا الكيان السرطاني، وواضح أن السلطة الفلسطينية في رام الله- ذاتيًّا أو بتوصية من الكيان- تحاول استخدام هذا الأسلوب أثناء تفاوضها مع حركة "حماس" في الحوار الوطني الفلسطيني؛ حيث قامت بحملة اعتقالات متكررة ومتعسفة لكوادر "حماس" في الضفة؛ حيث طالت أعدادًا كبيرة من أنصار الحركة، وأصبح هناك ما يسمَّى بالملف الأمني؛ حيث طفا على السطح فى النفاوض مع حماس؛ بغية أن تتوارى القضايا الرئيسية التي من أجلها وُجِدَ الحوار ولكن هيهات هيهات!.
وقد ظهرت الحاجة الملحَّة للحوار الوطني الفلسطيني بين "حماس" و"فتح" بعد الانتخابات التي فازت فيها "حماس" بشفافية ونزاهة باعتراف العالم أجمع، وبعدها تمَّ تشكيل حكومة "حماس"؛ حيث كشفت مخازي السلطة وبعضًا من كوادر "فتح"، وقد أظهر تولي حكومة "حماس" التناقضات الكثيرة والسلبيات في تصرفات السلطة لفلسطينية وبعض كوادر "فتح"، ومنها الانقياد الأعمى المشبوه للعدو الصهيوني عن طريق ما يسمَّى باسم "الحل السلمي" و"المفاوضات".
ثوابت القضية الفلسطينية
هناك ثوابت للقضية الفلسطينية يجب أن يجتمع عليها الجميع وتلتزم بها المقاومة، ومنها:
1- تحرير كافة الأراضي الفلسطينية من نهرها إلى بحرها.
2- إقامة دولة فلسطين الإسلامية العربية دولةً موحدةً على كامل تراب فلسطين، وعاصمتها القدس الموحدة.
3- عودة جميع اللاجئين إلى فلسطين.
4- يعيش غير المسلمين في فلسطين بحقوق المواطنة.
ولنعلم أن فلسطين لها مكانة خاصة؛ فهي ليست مجرد أرض محتلة يراد تحريرها من كل سلطان أجنبي ولكن لها خصوصية؛ حيث بها المسجد الأقصى المبارك، وهو أول قبلة للمسلمين في صلاتهم وثالث المساجد التي يُشدُّ إليها الرحال بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس، وأرض فلسطين أرض مباركة بنص القرآن، وهي أرض مقدسة بنص القرآن أيضًا وفلسطين أرض الأنبياء ومبعثهم عليهم السلام، وفلسطين أرض الإسراء، ومنها كان المعراج إلى السماء, وهي أرض المحشر والمنشر, وهي عقر دار الإسلام، والمقيم المحتسب فيها كالمجاهد والمرابط في سبيل الله، ومن هنا فإن قضية فلسطين قضية كل مسلم وكل عربي، وليست قضية أهل فلسطين فقط.
وفلسطين لها مكانة خاصة في عقيدة الإخوان المسلمين وفكرهم؛ لمكانتها في الإسلام وأن فلسطين جزءٌ من العقيدة الإسلامية، وأن أرضها وقفٌ إسلاميٌّ على جميع أجيال المسلمين في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم إلى يوم القيامة، ولا يجوز لأحد، كائنًا من كان، أن يفرِّط أو يتنازل ولو عن جزءٍ صغير جدًّا منها، ولذلك فهي ليست ملكًا للفلسطينيين أو العرب فحسب بل هي ملكٌ للمسلمين جميعًا، وقد أصدر عدد كبير من علماء المسلمين في كثير من الدول الإسلامية والعربية فتاوى (فتوى علماء فلسطين 1935م، وفتوى علماء الأزهر 1947م، وفتوى من لجنة الفتوى بالأزهر الشريف 1956م، وفتوى شيخ الجامع الأزهر 1956م، وفتوى علماء المؤتمر الدولي الإسلامي في باكستان 1968م، وفتوى علماء المسلمين 1989م) بوجوب الجهاد لإنقاذ فلسطين وحماية المسجد الأقصى ومقاطعة أعداء المسلمين وتحريم الصلح مع الكيان الصهيوني المغتصب، وأنه لا يجوز بأي حال من الأحوال الاعتراف لليهود بشبر من أرض فلسطين، وليس لشخص أو جهة أن تقر اليهود على أرض فلسطين أو تتنازل لهم عن أي جزء منها أو تعترف لهم بأي حق فيها؛ ففلسطين أرض إسلامية، وستبقى إسلامية.
السبيل إلى تحرير فلسطين
ونعني تحرير المسجد الأقصى السليب، وتحرير بيت المقدس المغتصب، وتحرير أرض فلسطين المباركة التي دنَّسها الكيان الصهيوني المحتل، فنحن في واقعٍ أليمٍ ضعيفٍ، يتسم بتخلُّف الدول العربية والإسلامية، وبتبعية أنظمتها لدول كبرى تناصب المسلمين العداء والكيد، ونريد أن نصل إلى المأمول لتحرير فلسطين من خلال إستراتيجية لعبور الفجوة بين الواقع والمأمول، وأساس هذه الإستراتيجية يدور حول القيم العليا للدعوة وهي:
الله غايتنا، والقرآن دستورنا، والرسول قدوتنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.. كيف؟!
الله غايتنا
أن تكون كافة أقوالنا وأفعالنا وتحركنا وسكوننا ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، وأن تكون غايتنا رضاه والجنة، وهذا يعطي للفرد قوةً وللأمة منعةً، ويفتح طريق الإخلاص والهمة العالية.
والقرآن دستورنا
القرآن هو دستور الأمة الاسلامية في كل زمان ومكان إلى يوم الساعة، ورحمة الله للعالمين، والقرآن يحدد الطريق لدفع الظلم والاستبداد والفساد وجعل كلمة اللة هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، والقرآن يحدِّد العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات، والصلة المنتظمة المستمرة المتدبّرة للقرآن تلاوةً وحفظًا وعملاً بالأحكام تؤدي إلى الربانية والإيجابية وكافة صفات المؤمنين الصادقين.
والرسول قدوتنا
والرسول صلى الله عليه وسلم قدوتنا في كل شيء، وكان طيلة سنوات الدعوة (حياته) مجاهدًا في سبيل الله، مقيمًا لشرعه، رافعًا لواء الإسلام موصلاً رحمة الله إلى العالمين، وكان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن.
الجهاد سبيلنا
أي أن الجهاد في سبيل الله هو السبيل إلى القوة والعزة والمنعة.. الجهاد هو السبيل لجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.. هو السبيل لتحرير الأرض والمقدَّسات واسترجاع الحق المسلوب، والجهاد يكون بالنفس والمال، والمقاومة جزءٌ من الجهاد.
والموت في سبيل الله أسمى أمانينا
الشهادة.. رضاء الله.. الجنة، والموت في سبيل الله يصنع الأمم الناهضة القوية المتقدمة دائمًا في ظل الحق والعدل والحرية، وهو السبيل إلى توصيل رحمة الله للعالمين.
ونخلص إلى أن إخلاص النية والالتزام بالقرآن واتخاذ القدوة من الرسول صلى الله عليه وسلم يؤدي بنا إلى سبيل الجهاد بصدق والشهادة، وهذا طريق المؤمنين الصادقين.. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (15)﴾ (الحجرات: 15).
وهذه هي مقومات إستراتيجية المجاهدين، ومنهم حركة المقاومة الإسلامية حماس، وشعب فلسطين المجاهد دائمًا في الصف الأول لتحرير المسجد الأقصى وتحرير القدس الشريف وتحرير أرض فلسطين المباركة، وهم طليعة المجاهدين لتطهير الأرض المباركة من دنس الصهاينة، وهم في هذه الظروف الصعبة يدفعون ضريبة تخاذل الأنظمة العربية والإسلامية وتواطؤها وتبعيتها وتخلفها، ويدفعون ضريبة ضعف الشعوب وقهر الحكام، ويدفعون ضريبة تخاذل السلطة الفلسطينية وما حولها من كوادر "فتح" الذين يعزفون على وتر أحلام الكيان الصهيوني المغتصب.
تذكرة
ومن هنا نذكِّر الإخوة في حماس حتى لا يختزل الحوار الوطني الفلسطيني إلى ملف المعتقلين في الضفة وتبهت القضايا الرئيسية وتتوارَى ثوابت القضية الفلسطينية حسب ما تخطط السلطة.. نحن نعلم أن حركة حماس- سواءٌ على مستوى المكتب السياسي أو حكومة هنية المجاهدة- على وعي تامٍّ وفهمٍ عميق لثوابت القضية الفلسطينية ولكن التذكرة واجبة.
ورغم محاولات تصفية القضية سياسيًّا من خلال مفاوضات السلام المزعوم والتي جنى منها الكيان الصهيوني ما يفوق أحلامه، أو تصفيتها عسكريًّا من خلال الحملات العسكرية المتكررة خصوصًا على غزة المجاهدة؛ فقد باءت هذه المحاولات بالفشل، ولكن هذه الأيام تشهد حملةً محمومة شرسةً لتصفية القضية من خلال الضغوط الصهيوأمريكية والحصار الإجرامي على غزة، والذي يتم بتعاون النظام المصري من خلال غلق معبر رفح, والتنسيق المفضوح بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية في رام الله.
نقاط نؤكدها
1- أن الحوار الوطني الفلسطيني نشأ لهدفِ وحدة الصف الفلسطيني والاتفاق على ثوابت القضية الفلسطينية، وأن الجهاد هو السبيل لتحرير الأرض والمقدسات وعودة الحق، والمقاومة وقتال العدو هو الواجب الجهادي الأول.
2- دعم المقاومة بكافة الوسائل والدعوة إلى الجهاد بكافة السبل وإفساد مشروع محاولة تصفية القضية الفلسطينية وتنحية أنصاره الذين يتصدَّرون الطابور الخامس في الأمة.
3- لتعلم الأنظمة التي توالي العدو وتدعمه معنويًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وحربيًّا بطريق مباشر وغير مباشر.
أن حسابها شديد في الدنيا والآخرة، وأن التاريخ يسجل عليها هذا العار، وعلى هذه الأنظمة أن ترتدع قبل فوات الأوان وتثوب إلى رشدها وتقف إلى جانب المقاومة والدفاع عن قضايا الأمة، وأن الكيان الصهيوني هو عدو الأمة السرطاني فاتخذوه عدوًّا.
وإذ يسجل التاريخ عليهم هذا العار يسجل عليهم موالاة أعداء الأمة العربية والإسلامية، ويسجل استبدادهم واتباعهم طريق الأعداء، ضَاربين برغبة شعوبهم عرض الحائط.. ﴿بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا (139)﴾ (النساء).
4- أن الشعوب عليها واجب أساسي، وهو أن تعيد حكامها وأنظمتها إلى رشدها، وإلى صوابها بكافة الطرق، وعليها كذلك تفعيل الجهاد بأنواعه: الجهاد بالنفس، الجهاد بالمال، الجهاد باللسان، الجهاد بالمقاطعة الاقتصادية.
5- تربية الأبناء والأجيال على حب الله ورسوله، وتربيتهم على قيم الاسلام ومنهجه الشامل تربيةً جهاديةً بها نحافظ على الأمة وقوتها وعزتها.
6- لا بد من الخروج من حالة الوهن والضعف والاستكانة التي أصابت الأمة العربية والإسلامية والتي كان سببها الرئيسي استبداد الأنظمة، وما تمخَّض عنه من ظلم وفساد وتخلف وتبعية، وسببها الثاني تقاعس الشعوب وعدم إدراكها الكافي لحقوقها وصلاحياتها، والسبب الثالث تراخي المثقفين وقادة الرأي والمهتمين بالشأن العام، وتفاوت أهدافهم، وضعف القدرة على التنسيق فيما بينهم؛ مما أضعف قدرتهم على قيادة الشعب في الإصلاح والتغيير.
وتمخَّض عن هذا كله موالاة هذه الأنظمة لأعداء الأمة، ومناصبة العداء لكل من يدعو إلى الصلاح والإصلاح، والمشكلة الكبرى هي أن الشعب الفلسطيني يدفع ضريبة هذا الوهن وهذا الضعف والاستكانة في جهاده ضد إجرام العدو الصهيوني وكيد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
والخروج من هذه الحالة مسئولية الشعوب وقياداتها من شرفاء الأمة، والسكوت والمهادنة مشاركة في الإثم ومشاركة فيما يرتكب من جرائم وخيانةً للأمة.
