أصبح تعبير الدولة المدنية الحديثة، يُمثل جزءًا من التصورات السياسية المفروضة على الحركة الإسلامية، من قِبل النخب السياسية والثقافية، والتي لا تنتمي للمشروع الإسلامي.
واستخدم التعبير لتحديد مدى انتماء الحركة الإسلامية للواقع المعاصر، ومدى انتمائها للتفكير التقليدي، الذي يوصف بالرجعي؛ حيث يتم حصار الحركة الإسلامية، بين خيار قبول الدولة المدنية الحديثة، وبين الرجعية ومحاولة إعادة إنتاج الماضي الذي لم يعد مناسبًا للعصر.
ثم يعاد تصنيف الحركات الإسلامية، وتصبح كل حركة ترفض الدولة المدنية الحديثة، هي حركة متطرفة وتوضع في خانة التجارب الإسلامية السلبية، وكل حركة تقبل بالدولة المدنية الحديثة، تعتبر ضمن الحركات الإسلامية التي يمكن قبول عملها السياسي، ويتم تداول هذا المعيار بين النخب، والأنظمة الحاكمة، وأيضًا الدول الغربية؛ مما يحول المعيار إلى شرط دولي، يحدد احتمال قبول العمل السياسي للحركة الإسلامية من عدمه.
لهذا يتردد السؤال حول جماعة الإخوان المسلمين، وهل بالفعل قبلت الجماعة مبدأ الدولة المدنية الحديثة أم لا؟ ويرى خصومها أنها لم تقبل بهذا المبدأ بعد، ويرى منافسوها من داخل التيار الإسلامي، أن رؤيتها للدولة المدنية الحديثة غامض ومرتبك، وترى جماعة الإخوان المسلمين، أنها تريد بالفعل قيام الدولة المدنية الحديثة، وتدور بعد ذلك معارك كلامية، هي أشبه بحرب المصطلحات الإعلامية، والتي تهدف إلى تشويه الحركة الإسلامية.
الدولة المستبدة
لكن ما الدولة المدنية الحديثة، خاصةً أن تعبير الدولة المدنية ليس تعبيرًا اصطلاحيًّا في العلوم السياسية، بقدر ما هو جزءٌ من خطابات الحرب على الحركات الإسلامية، فالدولة المدنية هي نقيض الدولة العسكرية، وهذا هو التعريف الأكثر دقةً، فكل دولة تقوم على حكم الجيش وحكم العسكر، لا تعتبر دولةً مدنيةً، والحركة الإسلامية الإصلاحية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، لا تطالب بقيام دولة عسكرية، بل إن مشروعها ضد الدولة العسكرية بالكامل؛ لأنه يقوم على ولاية الأمة، لا ولاية الجيش.
ولكن يمكن توسيع مصطلح الدولة المدنية الحديثة، ليصبح نقيض الدولة المستبدة، على أساس أن الدولة المستبدة هي في كل الأحوال دولة تحكم بقوة السلاح والأمن والجيش.
هذا توصيف مقبول أيضًا، فنقول إن الدولة المدنية هي نقيض الدولة المستبدة، وإن كل دولة مستبدة هي دولة عسكرية أيًّا كانت مرجعيتها وأسسها، ونعني بهذا أن الدولة العلمانية المستبدة مثلها مثل الدولة الدينية المستبدة، مثلها مثل الدولة الشيوعية أو الرأسمالية المستبدة، هي أشكال للدولة العسكرية، وهي نقيض للدولة المدنية. وهنا سنجد أن الحركة الإصلاحية الإسلامية، تنادي بإقامة دولة مدنية بهذا المعنى، وأنها ضد الدولة المستبدة بكل أشكالها؛ لأن المرجعية الإسلامية لا تقوم أساسًا إلا بتحقيق ولاية الأمة، أي حق الأمة في اختيار حاكمها وممثليها، وحقها في محاسبتهم وعزلهم، وبهذا تكون الدولة المدنية بهذا المعنى، هي جوهر المشروع الإصلاحي الإسلامي.
الدولة الديمقراطية
وبهذا يمكن القول بأن الدولة المدنية هي الدولة التي تقوم على أسس النظام الديمقراطي، وتعتمد على التعددية والتداول السلمي للسلطة وغيرها، فتصبح الدولة المدنية هي الدولة الديمقراطية في مقابل الدولة المستبدة، وهذا معنى مقبول، ويجسد جوهر مبدأ أن الأمة هي مصدر السلطات، ويحقق مبدأ ولاية الأمة. وتصبح الدولة المدنية بهذا المعنى، ليست معيارًا تُقاس عليه الحركة الإسلامية، بل هي جوهر فكرة المشروع الحضاري الإسلامي.
الدولة العلمانية المستبدة
ولكن البعض يتكلم عن الدولة المدنية بصورةٍ تُعطيها معاني مختلفة؛ مما يجعل الدولة المدنية أقرب إلى الموقف المحايد من الأديان، وإن لم تكن تعادي الدين، والدولة المحايدة دينيا، هي في الواقع دولة علمانية، أي أنها دولة تقف موقفًا محايدًا من الدين؛ مما يعني أن الدين لا يمثل مرجعيةً لها، وبهذا تكون مرجعيتها وضعية، أي مرجعية بشرية من وضع البشر، مثل كل المذاهب السياسية الغربية.
وهنا تصبح الدولة المدنية مصطلحًا يخفي وراءه الدولة العلمانية، ويحاول فرض تصورات الدولة العلمانية على الحركة الإسلامية، والدولة العلمانية هي نقيض الدولة الإسلامية؛ لأن الأخيرة تستند للمرجعية الإلهية، والأولى تستند للمرجعية البشرية.
وأي حركة إسلامية تقبل بالدولة المدنية العلمانية، تنهي بذلك مشروعها الإسلامي، كما أن الربط بين العلمانية والدولة المدنية هو خدعة مضللة، فالدولة التي تقوم على مرجعية القيم الدينية، وتستند إلى ولاية الأمة، هي دولة مدنية، كما أن الدولة العلمانية التي تستند إلى إرادة الشعب، هي أيضًا دولة مدنية، فكل منهما يستند إلى مرجعية المجتمع، والفرق بينهما في المجتمع نفسه الذي تعبر عنه الدولة، فالدولة العلمانية يفترض أن تحكم مجتمعًا علمانيًّا، والدولة الإسلامية يفترض أن تحكم مجتمعًا إسلاميًّا.
ولكن عندما تحكم الدولة العلمانية مجتمعًا إسلاميًّا، تكون بذلك دولة غير مدنية؛ لأنها تفرض قيمًا غريبةً على المجتمع، ومعنى هذا أنها دولة لا تستمد سندها من المجتمع، بل تفرض نفسها عليه، وهي بهذا دولة مستبدة أو عسكرية، نقصد من ذلك، أن مشروع فرض الدولة العلمانية على المجتمعات العربية والإسلامية، هو مشروع لإقامة دولة غير مدنية، في حين أن مشروع إقامة الدولة الإسلامية، المعبرة عن المجتمع، والتي تقوم بإرادة الأمة، وهو مشروع لإقامة دولة مدنية.
بهذا نصل إلى المعيار المهم، وهو أن شرط قيام الدولة المدنية، هو أن تستمد تلك الدولة مرجعيتها من المرجعية السائدة لدى المجتمع، والتي تتفق عليها الأغلبية، اتفاقًا حرًّا نزيهًا، وأن أي دولة لا تقوم على المرجعية التي يختارها المجتمع بكامل حريته، هي دولة غير مدنية.
وبهذا المعنى، نسأل هل قبلت جماعة الإخوان المسلمين الاحتكام لمرجعية المجتمع، وولاية الأمة، ومبدأ أن الأمة هي مصدر السلطات؟ وبالتالي قبلت الدولة المدنية، أي الدولة التي تمثل خيار المجتمع وخيار الأمة؟ هنا سنجد أن الحركة الإصلاحية الإسلامية، وهي حركة اجتماعية، تقوم أساسًا بدورها الإصلاحي للوصول إلى إجماع الأمة أو اتفاقها على مشروع استعادة المرجعية الحضارية الإسلامية، طريقًا للنهضة واستعادة الهوية، ومقاومة الغزو الخارجي، فجوهر المنهج الإصلاحي يعتمد على قبول الأمة؛ اعترافًا بأن أصل الولاية للأمة.
والحقيقة أن السؤال حول الدولة المدنية من المفروض أن يوجه للنخب، والتي لا تحظى بشعبيةٍ واضحة، وتحاول فرض رؤيتها باعتبارها الطريق الأفضل للتقدم، فكل النخب التي تقلد التجربة الغربية، وتحاول فرضها على المجتمعات العربية والإسلامية، هي التي يجب أن تسأل عن مدى قناعتها بالدولة المدنية؛ لأن ما تبشر به أقرب للدولة العسكرية، والحقيقة أنه أقرب للدولة الاستعمارية، والتي تحتل الأرض والعقل، وتفرض نموذجها الخارجي على الجميع.
مدنية وحديثة
وما قيل عن الدولة المدنية، يُقال أيضًا على مصطلح الحديثة، فإذا كانت الحركة الإسلامية تتصور أنها سوف تعيد الدولة التي كانت في الماضي، بنفس صورتها وهيكلها وتعبيراتها ولوائحها، فهذا يعني أنها تريد بناء دولة غير حديثة، فالدولة الحديثة، هي الدولة التي تتعامل مع المتغيرات العصرية الواقعية، وتدرك متغيرات الزمن، وتتجاوب مع التحديات الراهنة، وإذا كانت بعض فرق الغلو قد صورت مشروعها بصورة تجعله نوعًا من إعادة إنتاج الماضي، فإن غالب الحركة الإصلاحية الحضارية، يقوم أساسًا على التعامل العملي والواقعي، مع المتغيرات العصرية، ولكن القول بأن التعامل مع العصر، يعني أهمية الالتزام بشكل الدولة الحديثة في الغرب، أو القول بأن صفة الحداثة مقرونة بفهم الغرب للحداثة، هو العودة مرةً أخرى إلى فرض النموذج العلماني، وهو نموذج يتعارض كليًّا مع النموذج الإسلامي.
فالحداثة والتحديث تأتي في الوسائل والطرق والمناهج والأدوات وغيرها، وليس في القيم، والنموذج الإسلامي يمكن أن يكون حديثًا ومتطورًا، وقابل للتغير عبر الزمن، ولكن قيمه تظل هي قيم الحضارة الإسلامية، ومثله في ذلك مثل النموذج العلماني، فهو أيضًا نموذج حديث ومتطور، ولكن قيمه ما زالت هي القيم العلمانية البشرية؛ لهذا نعرف أن التحديث والحداثة، هي القدرة على التجاوب مع متغيرات الواقع والزمن، وهي أيضًا القدرة على تطبيق القيم العليا مع اختلاف الظروف والأحوال، وبهذا تكون الحركة الإسلامية، حديثة بقدر قدرتها على التجاوب مع متغيرات الزمن والعصر، وبقدر قدرتها على تطبيق قيمها العليا مع اختلاف الظروف والأحوال.
والبعض يفترض تعارض بين القيم الدينية والحداثة؛ حيث إن القيم الدينية ثابتة، والحقيقة أن القيم الدينية ثابتة ومطلقة أيضًا، ولكن تلك القيم يمكن تحقيقها واقعيًّا بطرق مختلفة.
وأهم ما يميز الحضارة المحافظة الدينية الشرقية، أي الحضارة الإسلامية، أنها تقوم على قيم دينية مطلقة، وهو ما يجعلها حضارة تقوم على الثوابت والمبادئ، في حين أن الحضارة التي تقوم على المذاهب البشرية مثل الحضارة الغربية، فأهم ما يميزها هو قدرتها على التحلل من قيمها العليا؛ لأن تلك القيم إنتاج بشري، يمكن أن يعاد توصيفها وتعريفها، لهذا نجد أن القيم العلمانية، لا تمثل ضابطًا لحركة الدول الغربية، بل تسمح لها بتجاوز ما تعلن أنه من قيمها العليا، ولكن القيم الدينية، لا تسمح بأي تجاوزٍ لها.
وهذا الاختلاف في دور القيم بين الحضارة العلمانية والحضارة الإسلامية، لا يؤثر على قدرة كل منهما على التحديث والتطور، بقدر ما يؤثر على الغاية النهائية لكل نموذج، وبالطبع فإن الغاية النهائية للعلمانية تختلف عن الغاية النهائية للإسلامية.
والخلاصة، أن المشروع الإصلاحي الحضاري الشامل، هو مشروع بناء دولة مدنية تستند على ولاية الأمة، وتقوم على مرجعية الحضارة الإسلامية، وتهدف إلى تحقيق التحديث والتطور المفضي إلى النهضة، وتستمد غاياتها ورسالتها النهائية من المرجعية الدينية، وهو بالطبع مشروع مدني، ولكنه بالطبع أيضًا ليس مشروعًا علمانيًّا.