مشهدان متقاربان لشخص واحد، لكن لكل منهما ردُّ فعل مختلف.. مختلف لأن الطرفين مختلفان، فالفرق بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية عند النظام المصري كالفرق بين سواد الليل وضوء النهار.

 

(1)

اعتادت الأفلام الأمريكية منذ سنوات بعيدة الإساءة إلى العرب والمسلمين، وتصويرهم إما بشكل شعوب همجية أو إرهابية، بالإضافة إلى الاستهزاء والسخرية من عاداتهم وتقاليدهم، وتضمَّنت عشرات الأفلام الأمريكية مثل هذه الإساءات مثل فيلم "المتحوِّلون" و"يوم الاستقلال" و"أكاذيب صادقة" وعشرات غيرها.

 

واستمرارًا لمسلسل الإساءة إلى العرب ومصر بشكل خاص تضمَّنت أحداث فيلم أمريكي- عُرض في دور السينما الأمريكية وبعدها في السينما المصرية عنوانه "i love you man" من إنتاج شركة "دريم ووركس بيكتشر" الأمريكية- إساءة بالغة إلى مصر والرئيس الراحل محمد أنور السادات، تجاوزت جميع الحدود.

 

ويظهر في الفيلم البطلان "بيتر" و"زويي"؛ حيث يمسك بيتر بكلب، ويقول له صديقه زويي: كلب لطيف، ما اسم هذا الكلب؟ فيرد بيتر: أنور السادات.

فيقول له زويي: من هذا؟!

فيجيبه بيتر: إنه رئيس مصر السابق.

فيسأله زويي: هل كان رجلاً عظيمًا أم أن هذا بسبب آرائه السياسية؟!

فيرد عليه بيتر: لا، لكنه يشبه هذا الكلب!.

وفي المشهد التالي يظهر بيت الكلب الخشبي وعليه صورة الرئيس الراحل أنور السادات.

 

حينما رأيت هذا المشهد بلا شك شعرت بالإهانة، حتى ولو كان الرئيس السادات ممن أشكُّ في الكثير من مواقفه ورؤاه، لكن حينما تنظر إلى شخص كان رمزًا لبلادك في وقت ما وتراه يشبَّه "بالكلب" يتغيَّر الموقف لديك، وتشعر بالإهانة، وبصغر حجمك وضعفك الشديد وما وصلت إليه كرامتك من ضعف ومهانة.

 

أول ما خطر بذهني بعد أن رأيت هذا المشهد أنه في مثل هذا الوقت من العام السابق كانت الصحف المصرية والمجتمع الرسمي المصري يموج في بحر من الحديث والكلام عن إهانة مصر ورئيس مصر وشعب مصر على يد إيران والقناة الإيرانية؛ بما فعلته من إنتاجها وتقديمها للفيلم الوثائقي "إعدام الفرعون" والذي تسبَّب حينها في زيادة الفجوة بين النظام المصري والإيراني، واعتبره الساسة المصريون منطلقًا لتشويه صورة إيران وحزب الله لدى المواطن المصري.

 

ولا أُخفي عليكم أني انتظرت اليوم بعد اليوم، ونظرت في الجريدة تلو الجريدة، ولم أقرأ أو تقرأ عيناي حديثًا رسميًّا عن واقعة إهانة رمز من رموز مصر في فيلم أمريكي وتشبيهه "بالكلب" أو قيام النظام المصري بتقديم شكوى للرئيس باراك أوباما، أو صدور بيان شديد اللهجة من وزارة الخارجية كما فعلت مع الفيلم الإيراني "إعدام الفرعون" للسفارة الأمريكية، وقطع العلاقات المصرية- الأمريكية، أو غلق مكاتب وكالات الأنباء الأمريكية، كما فعل النظام المصري مع فضائية "العالم" الإيرانية.. كل هذا لم يحدث.

 

وبدر إلى ذهني السؤال الآتي: لماذا اختلف ردُّ فعل النظام المصري بالنسبة لمشهد "الكلب الأمريكي"، بالمقارنة بفيلم "إعدام الفرعون" الإيراني مع أن العنصر الأساسي في المشهدين واحد؟!

 

(2)

العلاقة بين النظام المصري والنظام الأمريكي أكبر من أن توقِع بينهما أزمة فيلم حتى، ولو كانت الإهانة بحقِّ رئيس مصر السابق أنور السادات، وفي عهد نائبه حسني مبارك بالمقارنة بسياسة نفس النظام مع إيران، والتي يقاطعها ويمتنع عن التعامل معها؛ بسبب اسم شارع في طهران أو مظاهرة أمام السفارة المصرية في طهران أو إنتاج فيلم وثائقي يتحدث عن حقائق تاريخية لا يدخل فيها إهانات أو نعت فيها نفس الشخصية "بالكلب".

 

يدخل أساس اهتمام الإدارة الأمريكية بدور مصر مرتكزًا على دورها الإقليمي، فخلال السبعينيات لعبت الإدارة المصرية دور الحليف الثاني للولايات المتحدة في المنطقة بعد "إسرائيل" وفي الثمانينيات طوَّر نظام مبارك علاقاته بـ"إسرائيل"؛ بحيث لعبت دور المدخل الذي ولجت من خلاله "إسرائيل" إلى المنطقة، وفي التسعينيات مثَّلت مصر حجر الزاوية فيما أُطلق عليه وقتها عملية التسوية الشاملة لقضايا الصراع العربي- "الإسرائيلي"، سواءٌ على المستوى الثنائي أو الإقليمي أو الدولي.

 

في المرحلة الحالية تقف مصر المرتحلة على أعتاب مصر القادمة؛ وحيث إن العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية هي المحدِّد الأساس في سؤال الوقت في مصر، وهو: كيف سيكون شكل تلك العلاقات في حالتي التأبيد أو التوريث لنظام مبارك الأب والابن، ومن خلال طبيعة هذه المرحلة ومعالم التطور فيها سيتحدَّد شكل العلاقة الذي ينشده الطرفان أو بالأحرى الطور الذي سيكون محصلةً لضغط الطرف الأقوى ومقاومة الطرف الأضعف وتوترات الظروف الداخلية والخارجية لكلا الطرفين ومتغيرات البيئة الإقليمية.

 

وذلك لأن العلاقات السياسية بين أي دولتين من حيث مداها أو عمقها أو فاعليتها؛ ترتبط بالعديد من العوامل والمصالح والأوضاع، سواء كانت الداخلية أو الدولية المحيطة، وعلاقات النظام المصري مع الإدارة الأمريكية حاليًّا مرتبطة بما تحدده الإدارة الأمريكية في شأن التوريث ومدى قبولها أو رفضها لمن سيخلف مبارك وإزاء تلك الحالة يعمل على وتر القرب لها والتودُّد لسياساتها، ويتقرب إليها بكل السبل، ويعلم جيدًا أن الطريق إلى البيت الأبيض يبدأ من تل أبيب وليس من واشنطن.

 

إزاء وضع كهذا يصبح من الطبيعي ما نراه ونشاهده من تعامل النظام المصري مع الشأن الإيراني، طالما كانت العلاقات الأمريكية- الإيرانية علاقاتٍ متوترةً فتصبح علاقة القاهرة بطهران أيضًا متوترة بدون النظر إلى اعتبارات الأمن القومي المصري والذي يجعل من علاقة مصر بإيران علاقة إستراتيجية ذات أبعاد مختلفة من الخطأ التعامل معها على كونها خطرًا على أمن مصر بالمقارنة بتعامله مع الكيان "الإسرائيلي".

 

لذا لم تعد مواقف نظام مبارك الآن في حاجة للتحليل والتخمين، فقد اختار سياسة الانحياز التام للصف الصهيوأمريكي، وكان آخر هذه السياسات المواقف الأخيرة من العدوان على غزة، والاستمرار في حصار الشعب الفلسطيني في غزة، وها نحن نرى التناغم الكامل في السياسات ضد إيران والتصريحات التي تصدر من الجانبين حول توحُّدهما في مواجهة الحركات الإسلامية.

 

(3)

لكل دولة مصالح قومية عليا تتحدد في ضوئها جملة سياساتها مما يسمَّى أمنها القومي، بما يحفظ بقاءها وأمنها وتماسكها وجملة مصالحها في توفير العيش الكريم لشعبها. وتتحدَّد تلك المقومات تحديدًا موضوعيًّا مرعيًّا فيه قبل كل شيء مصلحة المحكومين الحاضرين والقادمين وليس فقط الحاكمين.. تحديدًا يضبط بدقة الأخطار المتربصة بتلك المصالح العليا، على موارد عيش الناس الأساسية وعلى سيادتهم على أرضهم، ويعني ذلك وقبل كل شيء التحديد الدقيق للعدو.

 

والسؤال: هل هناك وجه مقبول للنظر إلى إيران بدل أمريكا والصهاينة على وجه الخصوص على أنها الخطر الرئيسي المهدِّد للأمن المصري؛ أي أنها العدو الإستراتيجي كما يروِّج النظام المصري ذلك؟!

 

تجدر الملاحظة أن إيران رغم أنها كانت زمن نظام الشاه قوة إقليمية عظمى وسيفًا مصلتًا على رقاب المنطقة حتى احتلت جزرًا إماراتيةً، وكان مقتضى الجوار ومصلحة إيران الإسلام ذاتها أن ترد تلك الجزر إلى الإمارات، ومع ذلك فإنه لا أحد من الإماراتيين ولا العرب حرك ساكنًا، بل كانت إيران الشاه شرطي الخليج دولة مقبولة جدًّا في الخليج، لم يزعج أحدًا، لا توسعها ولا قوة جيشها المرعب ولا قوة النفوذ الصهيوني والغربي فيها، ولا حتى طموحها النووي الذي شرعت فيه، فما الجديد حتى يتم تقديمها لشعوبنا ليس مجرد عدو بل العدو، فترفع عداوتها إلى القمة؟!

 

هل المزعج في إيران أنها قدمت الدعم لحزب الله وللمقاومة الفلسطينية وهما فصيلان عربيان، ومصر والدول العربية كانت هي الأولى؟ وما الذي منع مصر وبقية الدول العربية من ذلك وأموالها لا تكاد تحصى وفرةً؛ لسد الباب في وجه النفوذ الإيراني أو الشيعي؟!

 

هل مبعث العداء لإيران أو الخوف منها هو الخشية من تطوير برنامجها النووي في اتجاه عسكري؟ رغم أن إيران ما تفتأ تؤكد التزامها بالاستعمال السلمي المسموح به دوليًّا، ورغم أن هذا الموضوع متابعٌ من أقوى أجهزه المخابرات الأمريكية و"الإسرائيلية" فضلاً عن الغربية، وعلى افتراض أن إيران تناور وقادرة على خداع الجميع؛ فما الذي يزعج مصر وبقية الدول العربية من ذلك؟

 

بل وضح جليًّا أن أكثر الجهات قلقًا هي الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بينما لا تبدي مصر قلقًا مماثلاً من امتلاك الكيان الصهيوني مئات الأسلحة النووية، مع أن الأقرب إلى المعقول أن ذلك من شأنه أن يصنع توازنًا يخدم اعتبارات الأمن القومي المصري، وذلك ما يرفضه بكل شدة الصهاينة حرصًا منهم على الانفراد بهذا التفوق؛ باعتباره رأسمالهم الأعظم.

 

(4)

وفي النهاية أرجو أن أكون قد أجبت عن السؤال؛ بحيث يكون قد اتضح لدى القارئ الفارق بين مشهد "الكلب" ومشهد "الفرعون"!.