معتصم أحمد دلول

رغم كل التحديات والمصاعب والمعوقات التي واجهت مؤتمر حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في بيت لحم إلا أن النجاح المحتوم والأكيد لمؤتمر فتح السادس كان واقعًا ملموسًا تمَّ تحقيقه؛ لأنه فرضية ناتجة عن عملية حسابية معقدة لتاريخ نضالي طويل مليء بالمواقف النضالية المختلفة على شتى الصُعد والمجالات.
عظمة هذا التاريخ تعود لهذه الحركة لأنها نضالية عظيمة حمل قادتها بنادقهم على عواتقهم كلما أرادوا دعمًا شعبيًّا لتمرير مؤامرة أو مقامرة أو تنازل، ورموا هذه البنادق ليس على الأرض، بل داسوا عليها بالنعال كلما أرادوا دولارًا أو دينارًا أو رضي الجار المخلص؛ الاحتلال الصهيوني، أو العدو العطوف؛ الولايات المتحدة. وربما وجهوا هذا السلاح لصدور أبناء شعبهم وإخوانهم إذا احتاج الأمر؛ وكم من المرات احتاج الأمر إلى مثل ذلك.
وهنا لا يمكن لأحد أن ينكر أن هذا المؤتمر لم ينجح بسبب المعجزات والخوارق التي حصلت فيه التي لم تكن لتحصل لولا البراعة والتخطيط الجيد التي حظي بهما المؤتمر؛ وهذه التجهيزات لا يحظى بها أي مؤتمر في الوجود.
مؤتمر اتخذ قرار عقده ويحدد مكان عقده شخص وحيد بنفسه يتربع على رأس هيئتين رسمييتين كبيرتين تحكم حركته، وهذا حسب قوانين حركته مخالفة لا تغتفر، ناهيك عن الحديث عن اللغط الذي يدور بين رعيته عن مصداقيته ووضعية وجوده في هذا المنصب، والتي خاض فيه قيادات من العيار الثقيل. وبذلك هو مؤتمر غير قانوني على حد قول قياداتهم.
مؤتمر تم الاتفاق على عددٍ محددٍ لأعضائه، بغض النظر عن طريقة الاتفاق، وبقدرة قادر يزداد العدد ويتضاعف إلى ما لا نهاية، هذا كما ورد على لسان عضو اللجنة المركزية في عمان محمد جهاد الذي تم تهميشه لأنه معارض لأوسلو، وليس من الشخصيات القيادية البارزة في فتح فقط محمد جهاد وحده الذي لم يحضر المؤتمر، بل هناك عدد آخر ومن أصحاب الثقل والنفوذ في الحركة الذين اتهموا بأنهم يريدون تخريب المؤتمر وهم لم يفعلوا شيء إلا مطالبتهم بأن يتم عقد المؤتمر حسب الأصول وهاني الحسن وصخر حبش وحسين فياض، وعلى رأسهم فاروق القدومي.
مؤتمر حُضِّرَتْ له شخصيات كبيرة جدًّا من الذين شاركوا في إطلاق الرصاصة الأولى لفتح؛ وضعوا تاريخ حافل من المقاومة النظيفة ومعارضة سياسة التفاوض والتعاون مع الاحتلال الصهيوني وراء ظهورهم من أجل بعض المكاسب.. وفي النهاية خرج السيد المناضل أبو ماهر غنيم الذي حظي باستقبال الأبطال عند دخوله لرام الله من المولد بلا حمص.
مؤتمر جُذبت له شخصيات كبيرة من المناضلين من الخارج من أجل أن يشاركوا في اللحظة التاريخية التي تصوروا بأنها ستكون يوم ميلاد جديد لحركة فتح ويوم تاريخي لإعادتها إلى المنهج الذي رسمه لها الجيل المؤسس والذين لطالما عانوا الويلات بسبب إصرارهم ليبقوا رموزًا لها في الوطن والشتات، ثم لم يجدوا متسعًا في قاعة الاجتماعات ويمكثوا في الشمس في الخارج ومنهم من لم يجد اسمه مدرجًا ضمن أعضاء المؤتمر، وعندما يتدخل أحد القادة يتم ضربه ضربًا مبرحًا وطرده من المكان.
مؤتمر يُتهم منظموه بالخيانة والعمالة ويكون في بدايته إصرار على ضرورة تغيير جذرية للقيادة وضخ عروق جديدة في دماء التنظيم، وفي النهاية يفوز هؤلاء بالتزكية. ربما بسبب الإنجازات العظيمة مثل سينما في نابلس و تاريخ نضالي حول الموائد و تصريحات ثقيلة ضد الإرهاب و الفلتان الأمني.
مؤتمر أخذت غزة من جدول أعماله الربع أو أكثر لا بد وأن يكون مؤتمرًا وطنيًّا ناجحًا؛ لأن غزة تعاني من ويلات حصار صهيوني ظالم وخارجة من تحت رماد حرب حقت الأخضر واليابس، وتمت مناقشة ما يخص غزة باستفاضة وعن كثب. ويا ليت من ناقشوه بخصوص غزة هو ما ذكرنا، وهو أمرٌ لم يتحدث عنه أحد، ولكن الذي تم نقاشه هو سقوط غزة من يد فتح وتوعدوا من حكمها وضبط أمنها وحارب من أجلها وحمى أهلها من الاجتثاث الذي كان محتمًا.
غزة هي البقعة الفلسطينية الوحيدة التي يعيش أهلها حرية لا يعيشها أحد في العالم حتى في الدول التي تتشدق الديمقراطية، وأقولها بمليء الفم؛ لأن الذي يحكم غزة هي أغلبية فازت بانتخابات شرعية شفافة وقامت بضبط الأمن ومنعت الجرائم والاختطاف، وحتى المشاكل العائلية ونظمت السلاح وجعلت وجهته الوحيدة صدور الاحتلال، وتحاول يومًا بعد يوم أن تُعيدها إلى إسلاميتها التي سُرِقت.
غزة الذي يعيش فيها المعارضون حياة آمنة وحرية مطلقة رغم الاتهامات الباطلة يوميًّا ضد حكومتها بأنها تعتقلهم وهم آمنون في بيوتهم، وإذا ما طُلب من أحدهم أن يقابل أحد المسئولين أو طلب منهم الحضور لمقر أمني لاستفسار أو تنبيه ما من أجل مصلحته أو مصلحة حركته يدَّعي بأنه خُطف وعُذب، ولم يستطع أحد أن يأتي بدليل، وعلى الرغم من ذلك يعيشون بحرية.
كانت نظرات عباس عندما توعد أبناء غزة غريبة جدًّا، وهي نظرات رأيناها قبل ذلك مرات كثيرة، ولكن في مواقف محدودة، وهي عندما يهاجم المقاومة، وعندما ينظر إلى قفى كونداليزا رايس؛ وأظن أن ملايين حول العالم رأوا ذلك المشاهد.
على أية حال، فاز البطل المغوار بما يريد ولا أقول مضى قُدُمًا في مسيرة رهن حركة فتح لمخططاته التفاوضية ولتغطية تعاونه مع الاحتلال، بل أقولها مدوية مضى قُدُمًا بعد أن أطلق رصاصة الرحمة على حركة فتح بأكملها.
أنا لا أرى بأنه سيخرج من بين الذين حضروا المؤتمر أو الذين لم يحضروه من يعيد فتح إلى سابق عهدها أو من يذهب بجزءٍ من فتح إلى ذلك البرنامج العريق الذي انطلقت من أجله لأنه طالما لم يكونوا قادرين على فعل ذلك من خلال هذه الفرصة التاريخية، فلن يستطيوا في أي وقتٍ آخر.