ربما يكون أصعب سؤال هو الذي يدور على كيفية تحقيق النهضة للمجتمعات العربية والإسلامية، ويمكن أن تتنوع الآراء حول الخطوات اللازمة لحدوث النهضة، وهل تبدأ النهضة بإصلاح النظام السياسي، أو تبدأ قبل ذلك، ويكون من نتائجها حدوث الإصلاح والتغيير السياسي؟

 

هناك العديد من النظريات حول التنمية المستدامة، وطرق تحقيقها، وهناك أيضًا وصفات المؤسسات الدولية، التي جُرِّبت كثيرًا، ولم ينتج عنها إلا المزيد من الفقر وتوسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويضاف لذلك برامج الإصلاح المالي والاقتصادي، التي لم تحقق أي نوعٍ من تحسين المعيشة لغالبية السكان، كل هذه الأفكار والمحاولات تجعلنا أمام قضية مهمة، فالبحث عن أفضل طريق للنهضة ضرورة للأمة، وأيضًا معرفة ما تستطيع حركات الإصلاح القيام به للتمهيد للتقدم والنهوض ضرورة أيضًا.

 

ولا نتصور أن هناك طريقةً تفصيليةً ثابتةً، فالظروف المتغيرة التي تمرُّ بها المجتمعات العربية والإسلامية، تجعل عملية التنمية والتقدم مرتبطة بالعديد من العوامل الخارجية والداخلية؛ ولكن يمكن رسم تصور أو نموذج، يحدد ملامح طريق التنمية والتقدم المفضي للنهضة.

 

إعاقة النهوض

وأول العوامل المهمة، هي أن النظام السياسي ليس هو صانع النهضة؛ ليس لأنه لا يقدر على القيام بدور في صناعة النهضة؛ ولكن لأن الأنظمة السياسية الحاكمة أصبحت في غالبها مقيدة بالاعتبارات الدولية، والتي تفرض عليها متطلبات محددة؛ حتى يتم قبولها في النظام المالي العالمي، وغالب ما يُفرض على الأنظمة الحاكمة يفيد الدول المتقدمة، ويضر بدولنا؛ ولذا نرى أن السياسات الحكومية باتت معرقلة لمسيرة النهضة.

 

أما بالنسبة للدول الغربية المتقدمة، فهي بالطبع لا تريد منافسًا جديدًا لها، خاصةً إذا كان هذا المنافس ملاصقًا لها جغرافيًّا، ومختلف عنها حضاريًّا، مما يجعله منافسًا مؤثرًا عليها، وعليه لا نتصور أن الدول المتقدمة يمكنها أن تسمح، ولا نقول تساعد، بنهضة الأمة العربية والإسلامية.

 

النهضة مسئولية الأمة

ويُضاف لذلك أن النهضة هي مسئولية الأمة، فلا توجد دولة تحقق النهضة من خلال مؤسساتها، فالنهضة فعل جماعي، والأمة هي المكلفة بالنهضة، وهي القادرة على تحقيق التقدم الذي تنشده وتريده، وهي الوحيدة صاحبة الحق في تحقيق مسار النهضة التي تريده، والقيم الحاكمة لها، والمرجعية الحضارية التي تقوم عليها النهضة، فكل نهضة تقوم على مرجعية حضارية، أي تقوم على قيم وغايات عليا تهدف إلى تحقيقها، ومن تلك القيم العليا، تتحقق خصوصية الحضارة، ومنها تتحقق خصوصية النهضة المنشودة، وهو ما يؤدي إلى تشكل الرسالة الحضارية للأمة، والتي تختلف عن رسالة غيرها من الشعوب، نقصد من هذا، أن النهضة ليست نموذجًا واحدًا، بل هي نماذج متعددة بتعدد الحضارات نفسها، وكل نهوض يكون له قيمه الحاكمة وغاياته وسبيله وأدواته، والتي تجعل له شخصية مميزة، وتجعل له إسهامه المميز في تاريخ البشرية.

 

وعليه نتصور أن حركة النهوض سوف تبدأ من داخل الأمة، وسوف تكون تلك الحركة جزءًا من حركة الإصلاح الحضاري الشامل، ومع تحرك الأمة نحو النهوض، يتحقق لها المزيد من القوة المجتمعية التي تمكنها من مواجهة الأوضاع القائمة، وبالتالي تمكنها من فرض عملية الإصلاح والتغيير على الأنظمة الحاكمة.. نقصد من ذلك، أن الأسس الأولى للنهضة، هي نفسها الأسس الأولى لتقوية المجتمع، وهي أيضًا الأسس الأولى لبناء تيار سائد يقوم بعملية الإصلاح السياسي؛ حتى يقوم نظام سياسي معبر عن الأمة، وتقوم دولة تكون وكيلاً عن الأمة، وتحمل مسئوليتها في مشروع نهضة الأمة.

 

تنمية من أسفل

ونتصور أن التنمية الحقيقية، وهي العملية التي من خلالها ترفع معدلات النمو؛ حتى تصل لمرحلة النهوض، هي التي تقام وتبنى من أسفل، وهي عكس كل برامج التنمية التي تفرض علينا، والتي تعتمد في برامجها على التنمية من أعلى، فالتنمية من أعلى لم تكن إلا تنمية قدرات الطبقات الغنية على حساب الطبقات الفقيرة، وفكرة أن التنمية تتسرب آثارها من أعلى إلى أسفل، فكرة لم تتحقق على أرض الواقع، كما أنها تختزل التنمية في الأموال؛ بحيث تتراكم الأموال في الطبقات الغنية أولاً، ثم تتسرب فوائض بعض الأموال إلى الطبقات الأفقر، وهذا اختزال لفكرة التنمية والنهوض.

 

والدول التي تمر بمرحلة تراجع، لا يمكن لها أن تبني صروحًا عملاقة مرة واحدة، إلا من خلال استيراد الآلات والتكنولوجيا والخبراء، وهو ما يحدث في بلادنا، ورغم أن هناك حاجةً إلى مثل هذا النوع من الصناعات الكبرى، إلا أنها ليست هي الطريق الأمثل لبناء قاعدة النهضة، فهي وسيلة لتحقيق الاحتياجات الضرورية، وكثيرًا ما تكون وسيلة لتوفير احتياجات غير ضرورية.

 

ولكن بناء قاعدة النهضة يحتاج لبناء من أسفل، أي بناء قدرات عامة الناس، والمجتمع ككل ليصبح منتجًا وفاعلاً ومؤثرًا، وأتصور أن بناء المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وبناء الجمعيات الخيرية، وبناء المستشفيات والوحدات الصحية، وبناء الجمعيات العلمية والمؤسسات التعليمية؛ يصب في عملية بناء وحدات نامية ونشطة وصغيرة ومبتكرة.

 

فالهدف من ذلك؛ هو توفير قاعدة واسعة تضم عددًا كبيرًا من الناس، وتقوم في رأس مالها المحدود على عدد كبير من الشركاء؛ حتى تصبح تلك الوحدات نواةً لوحدات أكبر في المستقبل.

 

التراكم الجماعي لرأس المال

وهنا تبرز قضية تراكم رأس المال، ففي النظرية الرأسمالية يحدث تراكم رأس المال، من خلال وسائل تراكم الثروة في يد عددٍ قليلٍ من الناس، وهم الطبقة الغنية، وهذا الآليات تعني ضمنًا حرمان العامل من حقه العادل في الأجر؛ حتى يحصل المستثمر على أكثر من حقه في الربح، فتتراكم لديه الثروة، ويستطيع بناء مؤسسات أكبر.

 

على العكس من هذا، نتصور أن طريق التنمية والنهوض المناسب لنا، يعتمد على قيام مشروعات صغيرة يشارك فيها عدد من الأفراد، ثم يتم تنمية عملهم من خلال الابتكار والتطوير؛ حتى تتحول تلك الشركة إلى شركة أكبر فأكبر، ومن خلال التوسع في المشروعات الصغيرة، يتم إشراك عدد كبير من الناس في ملكية تلك المشروعات، وهو ما يؤدي عند نجاح هذه المشروعات، إلى تكوين ثروة معقولة لدى عدد كبير من الناس، وبهذا يحدث تراكم لرأس المال على المستوى المجتمعي، وداخل شرائح واسعة للمجتمع؛ مما يؤدي إلى توفير حجم أكبر من الاستثمارات، مع رفع مستوى شرائح واسعة من المجتمع، ولو بدرجة أقل.

 

ومن خلال تحسين إنتاجية عدد أكبر من الناس، تبدأ التنمية من أسفل، وهي تحتاج إلى عملية تطوير تقني، يمكن أن تقوم به جمعيات علمية؛ حيث إن دور الدولة والمؤسسات العلمية والتعليمية في التطوير غائب؛ مما يجعل من الضروري وجود مؤسسات للتطوير التقني، وجمعيات لا تهدف للربح، تقوم بمساعدة المشروعات الصغيرة، وتوفر لها الابتكارات الضرورية.

 

يُضاف لهذا الدور المهم للجمعيات الخيرية، والتي تبني البنية الاجتماعية الأساسية، وتوفر الحاجات الضرورية للناس، وتعينهم على مواجهة المشكلات والأزمات؛ مما يجعلها بحق تساهم في مواجهة مختلف الأمراض والأزمات التي تحد من قدرات المجتمع، فيصبح العمل الخيري عاملاً مساعدًا رئيسيًّا، يقوي المجتمع، ليجعله مجتمعًا منتجًا.

 

القاعدة المجتمعية

ربما لا يرسم هذا التصور كل ملامح طريق التنمية الهادف للنهوض؛ ولكنه يرسم في تصورنا ملمحًا مهمًّا له، فنحن في حاجة لبناء قاعدة مجتمعية واسعة من المؤسسات التي تقوم بعمل منتج ومطور؛ حتى تمثل تلك القاعدة الأساس الذي يبني المجتمع القوي، ومن ثم المجتمع الناهض، ومن هذه القاعدة سوف تتشكل شبكة مؤسسية واسعة، من خلال علاقات العمل والتعاون والتنسيق، وبهذا تتحول القاعدة المؤسسية إلى قاعدة مترابطة ومتماسكة.

 

فالبناء من أسفل، هو سبيل إصلاح الأمة، ثم تقويتها وبناء مؤسساتها الفاعلة، والتي سوف تصبح الهيكل المؤسسي المنظم للأمة، والمحقق للتنمية، والذي يقوي الأمة ويساعدها على استكمال مشروع الإصلاح السياسي؛ حتى تحقق وحدتها ونهضتها.