شعبان عبد الرحمن
يقول الخبر: ".. واضطر الفنان تامر حسني إلى إنهاء حفلته بعد مدةٍ لم تتجاوز الساعة ونصف الساعة من بداية الحفلة التي أُقيمت في ملعب نادي الاتحاد بحلب؛ وذلك بعد أن أُصيب العشرات من الحضور بحالات إغماء نتيجة التدافع الشديد، ولم ينه "تامر" أغنيته الثانية حتى بدأ الجمهور بالتدافع؛ الأمر الذي أدَّى إلى سقوط العشرات، معظمهم من الفتيات؛ حيث أُصبن بإصاباتٍ وُصفت بالـ"بالغة"؛ الأمر الذي انتهى بسقوط السياج العازل فوق الجمهور؛ حيث علقت قدم إحدى الفتيات بالسياج.. وتمكَّنت خمس فتيات من الوصول إلى تامر وقمن "بحضنه".

وفي منتصف الحفل قامت إحدى الفتيات بتقديم "مصحف" لتامر حسني كهدية؛ حيث قام تامر بتقبيله وأعطاه لمرافقته!!
وفي الطرف الآخر من الحفل وقفت مجموعةٌ من الشبان والفتيات، وكانوا يرقصون مع الأغاني بطريقةٍ هستيرية، وفي مكانٍ آخر، وقفت امرأة على أحد الكراسي لتتمكَّن من مشاهدة "تامر حسني"، وبدأت بالرقص وهي تُرضع ابنها الذي كانت تحمله على يدها، وتمكَّنت كاميرا عكس السير من التقاط صورةٍ لها، إلا أننا فضلنا عدم نشرها..".
هذا ما حدث في مدينة حلب السورية الأسبوع الماضي خلال حفلٍ للفنان المصري الشاب تامر حسني، وقد استدعت تلك الحادثة ما جرى قبل عامين في تونس عند استقبال وفد "نجوم" برنامج "ستار أكاديمي" على خشبة المسرح ضمن جولة عربية؛ حيث أدَّى التدافع إلى اختناق وموت أكثر من ثمانية شباب على مذبح "الهوس"!.
ومثل هذه الحوادث بصفةٍ عامةٍ تفتح سجل ظاهرة "الهوس" التي أصابت قطاعًا عريضًا من الجماهير العربية، سواء بأهل الفن أو السياسة، وهي ظاهرة قديمة متجددة تتولد وتترعرع في عصور الظلام وعهود الاضمحلال، حين تصبح السيادة لحكم الفرد الدكتاتور، أو هيمنة الطبقة الفاسدة العابثة، أو هما معًا؛ حيث تكرس منظومة "الحكم" جهودها للتخلص من نكد الجماهير ومشكلاتهم ومطالبهم، والتفرغ لتتريس الكرسي و"مسمرته" في الأرض؛ حتى يقاوم عوامل الاهتزاز أو التحريك أو الإزالة، ويكون الحرص الأكبر على تنشئة أجيال هلامية ممسوخة الهوية والشخصية، تحركها رياح اللذة والشهوة والمظاهر، وتخلب ألبابها الشعارات الفضفاضة، حتى تصبح سهلةَ القياد والانقياد، بعد أن أُصيبت بفراغٍ رهيبٍ تنعق فيه البوم، فملأه "تامر" وغيره، واحتله "الزعيم الأوحد"، وما تبقى لدى الجماهير من عقلٍ يتكفل بتخريبه "سيد القمني" وأمثاله من رجال الثقافة؛ ليقضوا على البقية الباقية!!.
وقد أبدعت نظم الحكم هذه طرقًا فريدةً في تصنيع "الهوس"، والتفنن في تسويقه للشعوب بطرقٍ سحرية، حتى تمكَّنت من إتراعها به حتى الثمالة، وكانت شخصية الزعيم السياسي و"نجوم" الفن هي محور حالات "الهوس" التي ملأت فراغ معظم الجماهير، التي تم تدجينها وتغييبها عن الوعي، فقد أصبحت أخبار الزعيم هي القاسم المشترك في مناهج التعليم ووسائل الإعلام، وأصبحت شخصيته تملأ على الناس نهارهم ومساءهم بعبقريتها وقوتها وقدرتها على قيادة البلاد في كل الظروف، وتمتلك كل المفاتيح السحرية لحل مشكلات الحياة، حتى بات الناس يربطون بين بقائهم في الحياة وبقاء "الزعيم".
وانتشرت شعارات "بالروح بالدم"، وكل شعارات التمجيد والإشادة، لدرجة بلغت الخروج عن كل الحدود حتى قال شاعر بعثيّ زنديق لزعيمه:
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ فاحكم فأنتَ الواحدُ القهارُ
وقد تابعنا كيف امتلأت الشوارع بالجماهير تتوسل للقائد "المهزوم" بالبقاء في قيادة الأمة، ثم تُصاب بحالةٍ هستيرية عند موته، وتابعنا كيف كانت تُكتب وثائق المبايعة للزعيم بالدم، وتابعنا كيف ورَّط زعماء شعوبهم في حروبٍ مهلكة أكلت الأخضر واليابس، مثل: حروب عبد الناصر في اليمن، وحروب صدام في إيران ثم الكويت، حتى وصل العراق اليوم إلى ما وصل إليه، ومع ذلك لم تصدق قطاعات عريضة من الجماهير أن الزعيم كان على خطأ.. فـ"الهوس" بالزعيم الذي لا حياةَ بدونه قد بلغ مبلغه؛ ذلك مشهد من مشاهد التردي في هذا العصر.. وكفى!!
------------
* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة (المجتمع) الكويتية