لا شك أن هناك فجوة كبيرة في مصر بين صانعي القرار ومنفذيه.. ولقد جاء قرار الرئيس مبارك بتطوير مدينة رشيد ليؤكد وجود هذه الفجوة؛ ففي الوقت الذي استقبل فيها أبناء رشيد قرار الرئيس مبارك بالفرح والتفاؤل؛ وظنوا أن القرار جاء أخيرًا ليضع حدًّا لمعاناتهم اليومية ويغير واقعهم الأليم، ويعيد إليهم الأمل في مستقبل واعد وحياة مستقرة يشعرون معها بآدميتهم وترسخ بداخلهم معنى الانتماء وأنهم بحق مواطنون مصريون ينعمون بدفء الرعاية في بلدهم ويلقون كل اهتمام من المسئولين عنهم؛ إلا أن آمالهم سرعان ما تبددت وتلاشت معهم أحلامهم وحل محلها اليأس والإحباط وهم يرون كيف أنهم أصبحوا غرباء ومطاردون في بلادهم ومهددون في كل لحظة بالسجن والتشريد.

 

فمع بداية برنامج التطوير بدأ مسلسل إرهاب المواطنين؛ من استيلاء على الأراضي لتوسعة الشوارع- كما حدث في توسعة مدخل المدينة-، أو هدم محلات لتوسعة طريق الكورنيش، أو إهدار أحكام قضائية وتحايل على القانون- مثلما حدث من استيلاء على أرض عائلة أبو خطاب في زيارة نظيف الأخيرة لرشيد وبوضع حجر أساس لإنشاء مجمع مصالح حكومية وقسم شرطة ومشروع إسكان للشباب عليها مع علم المسئولين التام بعدم أحقيتهم لهذه الأرض وأن هناك حكمًا قضائيًّا نهائيًّا بثبوت ملكيتها لأصحابها-، وكل ذلك بدون تعويضات أو إجراءات قانونية.

 

فأصبح مشهدًا مألوفًا أن ترى جرافات الوحدة المحلية تهدم متجرًا أو تقتلع نخيلاً وأشجارًا أو تهدم أسوارًا وتقتحم أرضًا كأننا نرى مشهدًا في فلسطين المحتلة وليس في وطننا الحبيب مصر.. وإذا اعترضت يقولون إنه التطوير!!

 

وأصبح أمرًا عاديًا تشريد مواطن من مسكنه أو متجره أو الاستيلاء على أرضه وإلقاؤه في قارعة الطريق دون رأفة أو رحمة لتوسعة ميدان أو إنشاء نافورة، وإذا تعاطفت يقولون إنه من أجل التطوير!!

 

تهدم مراسي مراكب الصيد، فيهجر رشيد أكثر من 316 مركب صيد إلى موانئ أبي قير والإسكندرية وتفقد معها رشيد أهم مصدر دخلها، وتفقد ثروة سمكية تقدر بآلاف الأطنان كانت تمثل مصدر دخل لآلاف الأسر؛ فترتفع الأسعار ويزداد الفقر والبطالة.. وإذا سألت يقولون إنه التطوير!!  

 

تهدم الكازينوهات التي كانت تزين الكورنيش القديم  بمناظرها الجميلة وزينتها الرائعة والتي كان يرتادها أهل المدينة كل مساء إضافة إلى زوارها من الرحلات والوفود السياحية ويشرد العاملون بها فتزداد البطالة وتفقد المدينة مصدرًا اقتصاديًّا آخر وإذا سألت تجد نفس الجواب إنه التطوير!!

 

تخرب منطقة أبي مندور الأثرية بتلالها الرائعة ومنظرها الخلاب بتمرير طريق من خلالها ليكون امتدادًا لطريق الكورنيش فيها بمجرد إنشائه وقبل افتتاحه مع استحالة ردمه نظرًا لطبيعة التربة وتكتمل بذلك جريمة تدمير لمنطقة أثرية وسياحية كانت متنفسًا لأهل المدينة كما كانت مزارًا للرحلات والسياح وتمر الجريمة بدون حساب أو مساءلة.. ولا ندري هل ذلك أيضًا من التطوير؟؟

 

تنهال الإنذارات بالغرامات والمخالفات والرسوم والبدلات . تارة بدل إشغال وأحيانا بدل تجميل أو بدل نظافة حتى أصبح ما يقارب من نصف أهل المدينة مهددين بالسجن لعجزهم عن سداد مئات الجنيهات بدل نظافة في الوقت الذي تكتظ فيه الشوارع والأزقة بالأوحال وأكوام القمامة.. هل ذلك أيضًا من أجل التطوير!!

 

ومن الغريب والعجيب أنه في غمرة الحديث والتشدق بالتطوير ترى الرصف والتشجير لا يتجاوز المداخل والواجهات، وفي الوقت الذي يتغافل فيه المسئولون عن أزمات المدينة الحقيقية من فقر وبطالة وصرف صحي متهالك تتحول معه شوارع المدينة كلها شتاء إلى بحيرات من مياه الأمطار المختلطة بالأوحال ومياه المجاري التي تتدفق داخل البيوت فتحيل حياة الناس جحيمًا ونرى المسئولين يتسابقون مهللين ومؤكدين بانتهاء مشروع الصرف الصحي وأنه أصبح جاهزًا للافتتاح وبدء التشغيل في زيارة الرئيس مبارك المرتقبة في غضون أيام ومن المثير للدهشة والحسرة أن المشروع المقرر افتتاحه خلال أيام غير متصل بالمنازل حتى الآن!!!! إذا كيف سيعمل وماذا سيصرف؟؟! لا شك أنه التطوير!!

 

- لا ندري ما حقيقة الجواب وما هو الخطأ من الصواب؟؟

- هل هذا فعلاً هو التطوير؟؟ وما هو المقصود إذا بالتطوير؟؟

- هل يعني التطوير تجميل وتزيين المكان مع تجويع وتشريد السكان؟؟

- هل هذا حقًّا ما كان يعنيه مبارك بقرار تطوير مدينة رشيد؟؟

- أم هو غباء المسئولين ورغبتهم المحمومة في إخراج مشاعرهم العدائية وممارسة أساليبهم البوليسية للتنكيل بشعب من البسطاء والمسالمين؟؟؟

- أم هو سوء فهم المسئولين وجهلهم بمعنى التطوير؟؟

- هل يريدون رشيد مدينة سياحية وأثرية يزورها الوفود والسياح فيجدون فيها آلاف العاطلين والمشردين؟؟

- أم.. ربما يكون هناك في المرحلة المقبلة ضمن خطة التطوير استبدال البسطاء والفقراء والعاطلين والمشردين من أبناء رشيد بمواطنين أكثر ملاءمة للمدينة بعد التطوير؟؟؟

 

عموما أيًّا كان الغرض أو المقصود من التطوير فقد أصبح برنامج التطوير لا يعني بالنسبة للمواطن الرشيدي سوى الخوف والقلق والترقب وأصبح كل رشيدي مهددًا في أي لحظة بفقد عمله ومصدر رزقه أو هدم متجره أو مسكنه من أجل التطوير.

 

أصبح كل رشيدي يشعر وكأنه غريبًا في وطنه مطاردًا دون ذنب أو جريمة، مات بداخله كل إحساس بالانتماء ولسان حاله يقول "فليسقط التطوير.. فليسقط التطوير.. فليسقط التطوير:.

---------

* عضو مجلس الشعب عن دائرة إدكو ورشيد محافظة البحيرة.