د. حسن الحيوان

 

مصاريف السادة انتصرت، ومصارين الغلابة اعتصرت, فإذا وصل فساد البلاد إلى جفاف بطون العباد فحدِّث ولا حرج.

 

- الأجرة اليومية للعمالة المصرية غير الفنية لا تزيد عن 60 جنيهًا (إذا وجدت فرصة العمل)، ونفس الأجرة بالنسبة للحمار 30 جنيهًا؛ وحيث إن ثمن شراء الحمار في حدود 1500 جنيه؛ فإن ثمن الفرد المصري في حدود 3000 جنيه.

 

- أعلى دخل شهري يتعدى خمسين ألف جنيه، وأقل دخل لا يتعدى خمسمائة جنيه؛ أي مائة ضعف, هذه النسبة لا تتعدى خمسة أضعاف فقط في السويد والنرويج (أعلى متوسط دخل للفرد عالميًّا)، لاحظ أن هناك مسئولين حكوميين في مصر يتقاضون رسميًّا ما يتعدى نصف مليون جنيه شهريًّا، في حين أن معدلات الفقر وفقًا للإحصائيات الرسمية تعدت 20% من المصريين.

 

- الثقة في المعاملات التجارية منهارة؛ لأن الإنسان يتشكل بتأثير شديد من المؤسسات المسيطرة على المجتمع, فإذا كانت لا تتمتع بالمصداقية، فلا بد أن تنتقل العدوى للمجتمع, مثلاً وليس حصرًا ارتفاع تعريفة فواتير المياه والتليفونات والكهرباء أحيانًا كثيرة دون شفافية، مع إضافة رسم جمع القمامة دون جمع للقمامة، فالجميع يدفع مرةً أخرى للمتعهد التقليدي القديم الذي يقوم فعلاً بهذه المهمة.

 

- أكثر من نصف رغيف الخبز المصري يأتي من أمريكا والصناعة الصينية هي التي تغطي معظم احتياجات السوق المصري من معظم المنتجات؛ لأن المناخ الرسمي يشجع على الاستيراد؛ مما يضعف الصناعة الوطنية، ويؤدي لزيادة البطالة, فكما إن ثروات المستوردين المصريين تعتمد على معدلات ارتفاع الإنتاج في الصين وليس في مصر؛ فتأثير الفلاح الأمريكي على السياسة المصرية أكبر من تأثير الفلاح المصري.

 

- براعة نظام الحكم المصري أنه قام بنقل مراكز الثقل في الحياة السياسية المصرية من المجتمع المدني إلى مراكز في الأغلب خارجية, فمساهمة الناتج المحلي لكل قطاعات العمل المصرية لا تتجاوز نصف الموازنة العامة المصرية، والباقي مدخرات للمصريين بالخارج والدين الخارجي والداخلي، بالإضافة إلى حصيلة الخصخصة؛ لذلك تراجع تمامًا تأثير الاحتجاج الشعبي على الحياة السياسية المصرية، فهل هذه الأوضاع تلقائية؟ فلو أضرب نسبة من المجتمع عن العمل؛ فإن موارد الدولة ستتأثر بالقدر البسيط (لا مثيل عالمي) فهل دعم الاستيراد مرورًا بزيادة البطالة ووصولاً لإضعاف المجتمع يمثل البنية الأساسية للاستبداد الذي يكرِّس العلاقة العكسية بين الدولة والمجتمع؟ المفترض أن المجتمع هو الذي يعطي الشرعية للدولة وليس العكس... هذا هو مربط الفرس.

 

- فمصادر الناتج المحلي للمجتمع، وعملية الإنتاج الوطني (صناعي زراعي وخلافه) لا بد أن تكون عملية اقتصادية سياسية اجتماعية لخدمة مصالح الأغلبية، وتحقيق التنمية والنهضة، وأيضًا حماية الأمن القومي، والبطالة تكرِّس للعكس تمامًا، وبالتالي الحاكم يجد نفسه ليس في مواجهة شعب بل أنفار فرادى, بدون مقاول أنفار, فالكل يبحث عن لقمة العيش الحلال (على أحسن الفروض) في حدود مصالحه الشخصية؛ حد أقصى الزوجة والأولاد, ولا يوجد أي علاقة مؤسسية لأي فردٍ بالآخر، وأصبحت مصر عبارةً عن أفراد بدلاً من المجتمع الذي تلاشى، والذي كان يُضرب به المثل على الأقل إقليميًّا، وأخيرًا تخرج علينا فكرة بيع وتوزيع أصول الدولة على الشعب (لا مثيل عالمي) أي تكريس فكرة تفكيك المجتمع، فماذا يفعل البسطاء بعدة آلاف من الجنيهات؛ إما تُنفق وراء التوغل الاستهلاكي للإعلانات التليفزيونية، أو يستثمرها في البورصة ليضيع ميراثه في أصول الدولة.

 

- أما من نجحوا بالطريق المستقيم أو غيره في تحقيق حلمه الفردي، بامتلاك الثروة، وما تجلبه عليهم من نفوذ؛ فيسهل جدًّا على الدولة تأديبهم أو القضاء عليهم إذا هم تجاوزوا الحدود المسموح بها, والأمثلة لا تخفى على أحد.

 

- إن تعطيل قدرة مصر على الإنتاج العلمي والصناعي، وشتى مجالات الإنتاج المادي، وكذلك شتى مجالات الإنتاج الفكري والمعنوي؛ هو الذي يمثِّل البنية الأساسية لقمع الحرية التي وهبها الخالق للمخلوق.

 

- ففي النرويج والسويد أغنى دول العالم؛ نجد أعلى معدلات للانتحار، أما في الصومال أفقر دول العالم نجد أقل معدلات انتحار عندنا كمسلمين قليل جدًّا من الإيمان بدون عمل، وعندهم في الغرب كثير جدًّا من العمل بدون إيمان، وعندما نفهم الترابط الحضاري الإسلامي الوثيق بين الإيمان والعمل؛ سنجد الطريق الوحيد لحرية الأزمة لبناء الأفراد، ولمواجهة تفكيك المجتمع بتفكيك الاستبداد.

------------

* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@homail.com