![]() |
|
البدوي عبد العظيم البدوي |
لذلك كان العداء لحركة الإخوان المسلمين لسببين:-
* أولهما وأهمهما: تبني الحركة لمشروع حضاري يقوم على الحل الإسلامي باعتباره الأمل الوحيد لبعث الأمة الإسلامية كلها كي تستعيد احتلال مكانتها الرائدة بين الأمم، ولا شك أن الصهيونية العالمية متحالفة مع الغرب قد أبصرت هذا الخطر الذي يهددها بالتراجع عن مرتبة الصدارة التي تحتلها الآن في غيبة المشروع الإسلامي، لذلك كان العداء للإسلام ونكران فضل الحضارة الإسلامية ومحاولة النيل والتنكيل من أي مشروع يحاول إحياء هذا المارد أو حتى رفع شعار له وفي هذا الإطار يمكننا أن نفهم الإصرار الشديد على رفض شعار (الإسلام هو الحل) الذي تتبناه وتتمسك به حركة الإخوان المسلمين.
* والثاني: وقوف حركة الإخوان المسلمين كحجر عثرة في وجه محاولات التطبيع ودمج العدو الصهيوني في العالم العربي باعتبارها حركة ممتدة في كافة الأوساط سواء كانت نخبوية أو مجتمعية شعبية وفي كافة الأقطار.
وتشتد الصورة وضوحًا لأسباب الهجمة الأخيرة والمستمرة على حركة الإخوان المسلمين في مصر- مركز الحركة- في ضوء التوجه الأمريكي الجديد والذي يصر على وضع التطبيع بين العالم العربي وبين الصهاينة في مقدمة أولوياتها حتى من دون مقابل الأمر الذي يصب في تحقيق البعد الحضاري للمؤامرة والمتمثل في احتلالهم قيادة المنطقة العربية والإسلامية حضاريًّا وفق مشروعهم هم وبالتالي منع أي محاولة لنهوض الأمة الإسلامية أو تقدم مشروع حضاري إسلامي والذي يعد هدفًا استراتيجيًّا لأعداء الأمة.
وفي هذا الإطار يمكننا فهم أسباب وصف اللجنة الأمريكية- اليهودية لجماعة الإخوان المسلمين بالعقبة في طريق تحقيق السلام في المنطقة، والتي أرجعت ذلك إلى ما وصفته بسياستهم المتطرفة، وأكدت أنه لا بد من إزالة تلك العقبة حتى تنعم المنطقة بالسلام.
وفي هذا الإطار يمكننا فهم أسباب وصف إحدى المنظمات الصهيونية الأمريكية للدكتور يوسف القرضاوي والإخوان المسلمين بأنه يعتبر وجماعته مثالاً للتطرف المنظم، حيث إن جماعة الإخوان المسلمين- والكلام للمنظمة الصهيونية- دأبت على دعم الجماعات الأصولية وبالأخص حركة حماس، وهو ذات السياق في التصريحات التي أطلقتها تسيفي ليفني من باريس أثناء العدوان "الإسرائيلي" على غزة.
والغريب في كل ذلك أن العالم يقبل تلك التصريحات عن التعايش المشترك والسلام العادل والتنمية الاقتصادية المشتركة لدول الشرق الأوسط (العرب و"إسرائيل") من رموز الصهيونية أعداء البشرية ولصوص الأرض سارقي التاريخ الذين يمثلون المادة الخام للإرهاب بكل ما تحمله الكلمة من معاني ويؤيدني في ذلك ويوافقني فيه التشريعات السماوية التي وصفتهم بمشعلي الفتن ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ (المائدة: من الآية 64)، توافقني في ذلك التشريعات الوضعية التي حرمت أي نوع من أنواع الاعتداء أو السيطرة أو الحيازة لأي شيء مملوك للغير واعتبرته سرقة وقررت بناء على ذلك الحق في الدفاع الشرعي عن تلك الممتلكات، توافقني في ذلك المواثيق الدولية التي جرمت الاعتداء والاستيلاء على أراضي الغير بالقوة وحثت دول الجوار على تقديم العون للدولة المعتدَى على أراضيها حتى تحرير أراضيها بل وفتح حدودها لمواطني الدولة المعتدى عليها في حال تعرضوا لأعمال عدائية من قبل دولة الاحتلال.
بل ويوافقني في ذلك قاموس اللغة ولعل هذا هو السبب وراء عرقلة أمريكا لعقد المؤتمر الدولي لتعريف الإرهاب حتى لا تدخل الأعمال التي تقوم بها في نطاق الأعمال الإرهابية لذلك تبحث عن من ينوب عنها في حملتها ضد كل من يقاوم التطبيع بين العالم العربي، وبين العدو الصهيوني.
كل ذلك يدفعنا للتساؤل عن طبيعة الدور الذي يلعبه النظام المصري ضد المصالح المصرية ذاتها وضد أبناء شعبة بل وضد الأمن القومي المصري نفسه؟ وهل حصل النظام على الضوء الأخضر ليقوم بهذا الدور؟ وعن المقابل الذي سيحصل علية مقابل لعبه لهذا الدور؟ وفي النهاية يدفعنا كل ذلك للتساؤل والتشكك في الدور الذي تلعبه الإدارة الأمريكية الجديدة؟ وما إذا كانت صادقة في إحداث تغيير حقيقي في توجهاتها وسياساتها عن الإدارة السابقة؟
أبعاد المؤامرة.. وسبل المقاومة
وإذا كنا قد فهمنا أن الهجمة على حركة الإخوان المسلمين هي في حقيقتها هجمة على المشروع الحضاري الإسلامي المقاوم لكل مظاهر التبعية والخضوع والسيطرة، والتصدي لخطة الغرب التي تبناها بعد الحادي عشر من سبتمبر من ضرورة التصدي لهذا المشروع الإسلامي على مراحل ثلاث متدرجة:
* القضاء على الإسلام المسلح أو الجهادي وفي هذا الإطار تم احتلال أفغانستان والعراق.
* التصدي للإسلام السياسي والذي لا يتبنى العنف سبيلاً وتندرج حركة الإخوان المسلمين تحت ذلك المسمى (مع اختلافنا مع وصف الإسلام السياسي) باعتبارها صاحبة مشروع حضاري متكامل.
* الإسلام كعقيدة في حد ذاته بنشر العري والخلاعة والفساد في مختلف أوساط المسلمين حتى ينتزع منهم كل معاني وإمكانيات النهوض من المنبع.
وإذا كانت هذه هي أبعاد وطبيعة المؤامرة التي دبرتها القوى المعادية بليل لأمتنا ثم ما لبثت أن أعلنتها صريحة مدوية أنها حرب صليبية جديدة على لسان جورج بوش، فليس هناك من حل لمواجهتها والتصدي لها إلا بالتكاتف وعلى كافة المستويات لإجهاض ذلك المشروع الصهيوني ضد أمتنا وذلك لتحقيق أهداف محدده في ظل رؤية عناصرها واضحة المعالم:-
1- التصدي لمحاولات التطبيع المحمومة بين العالم العربي، وبين العدو الصهيوني بكل السبل المشروعة وأخصها الرفض الشعبي والاقتصادي والسياسي لكل أنواع التطبيع ولفظ واستنكار كل من يسيرون في إطار التطبيع مع الصهاينة حتى لو أدى إلى مقاطعته.
2- احتضان المقاومة المشروعة ضد الاحتلال الصهيوني لكامل الأرض العربية ودعمها بكل أنواع الدعم المتاح بداية من الدعم الإعلامي وانتهاء بكافة أنواع الدعم باعتباره واجبًا شرعيًّا وحقًّا لأبناء الشعب الفلسطيني وليس منةً أو تفضلاً عليهم وعلى أساس أنهم خط الدفاع المتقدم عن الأمة.
3- دعم صمود الشعب الفلسطيني المقاوم بكل السبل لتمكينه من الاستمرار، ورفض كل المحاولات المحمومة لتقديم تنازلات لصالح الاحتلال من السلطة الفلسطينية المزعومة (سلطة أوسلو) باعتبارها خارجة عن الإجماع الفلسطيني والعربي.
4- استمرار حشد الضغط الدولي من الشارع العالمي والمنظمات الدولية المختلفة على الدول الغربية لتخفيف الضغط على الشعب الفلسطيني وحكومته المشروعة وتقديم كل الدعم اللازم لها باعتبار أنها الممثلة للشرعية الفلسطينية والتي وصلت لتمثيل الشعب عن طريق صندوق الاقتراع في انتخابات شهد الجميع بنزاهتها.
5- انتزاع الديمقراطية والحرية لشعوب العالم العربي والتصدي لكل محاولات السيطرة على الشعوب العربية وانتزاع إرادتها من كل نظم الحكم المضطهدة لشعوبها على أساس أنها نظم غير شرعية أو دستورية ومخالفة لكل معايير الشفافية وحقوق الإنسان وذلك عن طريق كل السبل المشروعة ومنها تشكيل تحالف لكل القوى الوطنية الحقيقية في الشارع السياسي مع التأكيد على صلابة هذا التحالف ضد محاولات تلك الأنظمة لاختراقه.
كما يجب الضغط على تلك الأنظمة داخليًّا وخارجيًّا لتقديم ضمانات لشفافية وديمقراطية الانتخابات التي تجريها مع عدم استبعاد الإشراف الدولي على تلك الانتخابات من قبل مؤسسات المجتمع المدني، ومنظمة الأمم المتحدة في حال عدم وجود نظم رقابة وإشراف داخلي حقيقي على تلك الانتخابات خاصة أن تلك الأنظمة شاركت في الإشراف على الانتخابات في دول أخرى فعلاً ولا تجد في ذلك تدخلاً في شئونها الخاصة وانتقاصًا من سيادتها.
تلكم هي بعض الأفكار التي يمكن طرحها حتى نستطيع مقاومة تلك الهجمة الموجهة لأمتنا في هويتها وحضارتها وثقافتها بل وعقيدتها وليست موجهة ضد فصيل بعينه وإن كان الإخوان في مقدمتها. وأخيرًا فإن اليقين يملؤنا أنه لا يصح إلا الصحيح وأن النصر مع الصبر، والنصر وعدنا من الله وهو الحق وأوفى من وعد ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).
----------
* مستشار قانوني- محكم تجاري دولي- باحث.
