مرت الأمة الإسلامية بمرحلة تراجعٍ حضاري ظاهر منذ عقود، ولكن مع هذا التراجع ظهرت العديد من الدعوات التي تحثُّ الأمة على الخروج من تلك الحالة، واستعادة مجدها ودورها الحضاري، وتحقيق نهضتها، ولا يمكن أن نصف الأمة الإسلامية الآن بأنها في مرحلة غيبوبة حضارية، أو أنها غارقة في حالة التراجع الحضاري دون أن تدري، فالغالب على الوعي الجمعي للأمة، أنها تعرف حالتها وتريد الخروج منها، كما أنها تدرك هويتها الحضارية، وتحاول أن تستعيد تلك الهوية كطريقٍ لتحقيق النهضة، كما يظهر جليًّا مدى قناعة الأمة بأن وحدتها هي سر قوتها، وأن بهذه الوحدة يتحقق لها الشرط الضروري لتحقيق نهضتها.
والملاحظ لما تمر به الأمة من أحداث، يدرك أن حركات الإصلاح الحضاري قد أصبحت واقعًا اجتماعيًّا له عمقه المجتمعي الواضح، وتلك الحركات قد أرست العديد من المسلمات الأساسية التي تُبنى عليها هوية الأمة، فقد تأكدت مرجعية الأمة الحضارية الإسلامية، واستعادت الأمة وعيها بقيمها وأخلاقيتها المتميزة، واستطاعت التمييز بين حضارتها والحضارات الأخرى؛ مما مكَّنها من الاستفادة مما أنجزته الحضارات الأخرى، دون أن تقلد تلك الحضارات أو يتسرب لها قيمها، ونعني بذلك أن الأسس الأولى لتحقيق الإصلاح والنهضة، قد أصبحت تمثل رأيًا عامًّا سائدًا بين أبناء الأمة؛ فقد تجاوز أغلب المنتمين للأمة الإسلامية مرحلة الانبهار بالغرب، ومرحلة السقوط في التبعية الحضارية للغرب، ومرحلة الخلط بين قيم الأمة والقيم الغربية.
نخلص مما سبق، أن هناك وعيًا متزايدًا لدى أغلب المنتمين للأمة بالأسس التي يمكن أن تحقق للأمة نهضتها، ومع هذا نجد أن طريق الإصلاح ما زال طويلاً وشاقًّا، وما يتحقق فيه ليس إلا القدر الضئيل، كما نجد أن طريق النهضة يبدو بعيدًا، وتحققها صعب المنال، وكأن حركة الأمة نحو الإصلاح والنهضة، تتقدم وتتأخر، أو أنها ساكنة، وهو ما يحتاج إلى بحثٍ لمعرفة طبيعة معركة الإصلاح والنهضة.
تخريب وعي الأمة
الملاحظ لمسيرة عملية الإصلاح الحضاري، يجد أنها تواجه العديد من التحديات؛ أهمها تلك المتمثلة في محاولة هدم كل ما تنجزه عملية الإصلاح، وهناك العديد من الشواهد التي تؤكد أن الأطراف المعادية لنهضة الأمة تحاول عرقلة عملية الإصلاح بكل السبل حتى لا تصل لمرحلة تمكِّن الأمة من النهوض، ومن أهم عمليات التخريب التي توجه للأمة؛ هي عملية تخريب الوعي، وهي عملية تستهدف أولاً وعي الأمة بهويتها، وطبيعة تلك الهوية- أي وعي الأمة بانتمائها الحضاري- وتميز هذا الانتماء عن غيره من الانتماءات الحضارية.
كما تواجه الأمة بعملية تخريب مركبة، تحاول ضرب وعي الأمة بوحدتها، وأيضًا ضرب العلاقات بين مكونات الأمة المختلفة، فعملية تفريق الأمة، تحدث على مستوى نشر تصورات تشكك في وحدة الأمة، وتؤكد أنها تمثل طوائف وأعراق لا تترابط فيما بينها، كما يتم تنفيذ ذلك على أرض الواقع من خلال تمزيق وحدة الجماعات الوطنية في العديد من الدول العربية والإسلامية، وخلاصة هذه العملية، هو تدمير وعي الأمة بهويتها ووحدتها.
يتبع ذلك العملية المستمرة لتغريب المجتمعات العربية والإسلامية، والتي لم تتوقف منذ عهد الاستعمار العسكري، ويلاحظ أن تزايد وجود ودور الحركات الإسلامية، يواجه غالبًا بالتوسع في محاولة تغريب المجتمع، ونشر العلمانية فيه.
وهذه العملية هي محاولة لسد الفراغ الحضاري، الذي يحدث بسبب محاولة تشكيك الأمة في هويتها الحضارية، أو يحدث بسبب محاولات الربط بين هوية الأمة الحضارية وبين تراجعها وتأخرها، فمع تشكك البعض في انتمائهم الحضاري، تقدم لهم الحضارة الغربية على أنها النموذج المتقدم لهذا العصر، والسبيل الوحيد لتحقيق التقدم والرفاهية؛ فتصبح عملية التغريب هي نوع من إحلال وعي حضاري وافد، بدلاً من الوعي الحضاري الأصيل.
يُضاف لهذا محاولات ضرب المجتمعات العربية والإسلامية، بنشر الحرية الفردية بالمفهوم الغربي، والتي تبيح العديد من أنماط السلوك التي تتعارض مع قيم الحضارة الإسلامية. ونشر هذه الأنماط من السلوك غير الملتزم بقيم الحضارة الإسلامية، وطبيعة المجتمعات الشرقية المحافظة، يؤدي إلى نشر الانحلال داخل المجتمعات العربية والإسلامية.
وهناك تركيز كبير على فكرة نشر الحرية الفردية، مما يدل على أن القائمين على هذا العمل يدركون خطورة نشر الانحلال داخل المجتمعات العربية والإسلامية؛ لأنه نوع من التحلل من قيم الحضارة الإسلامية، يؤدي إلى تفكيك العلاقة بين الفرد ومرجعيته الحضارية؛ مما يسلبه عقله الحضاري ووعيه بانتمائه وهويته.
عرقلة حركة الأمة
كل هذا التخريب على المستوى الاجتماعي والحضاري، يتوازى مع وضع العديد من القيود على حركة الأمة في جميع المجالات؛ ففي المجال السياسي لا يسمح للأمة بأن تسترد حقها في اختيار نظامها السياسي واختيار حكامها، وفي المجال الاقتصادي لا يسمح للأمة بأفضل استثمار لثرواتها الطبيعية، كما لا يسمح لها بتحقيق الاكتفاء الذاتي، أو التقدم التقني، أو تحقيق الاستقلال الاقتصادي، ويحدث ذلك من خلال شبكة علاقات ومصالح تربط مراكز صنع القرار في الدول الغربية، مع النخب الحاكمة ورجال الأعمال في بلادنا، مما يترتب عليه ربط مصالح تلك النخب بالغرب؛ بحيث يكون بقاؤهم كنخب تسيطر على السلطة والثروة، مرهونًا بتحقيق مصالح الغرب مقابل تحقيق مصالحهم الشخصية، وليس مصالح مجتمعاتهم أو أمتهم.
والمقصود من تلك السياسات؛ هو السيطرة على حركة المجتمعات العربية والإسلامية، فلا تقدر على تحقيق أي استقلال سياسي أو اقتصادي، وبالتالي لا تستطيع تحقيق الاستقلال الحضاري، وهذه العملية تستهدف أيضًا: عدم حدوث تحولات جوهرية في أوضاع المجتمعات العربية والإسلامية، في أي مجالٍ من المجالات؛ بحيث تظل مجتمعات تابعة للمركز الغربي، وتحتاج دعمه التقني والعلمي والمالي، وينبع هذا من المخاوف الغربية تجاه أي نوعٍ من الاستقلال قد يتحقق، أو أي قدر من التقدم في أي مجال من المجالات؛ مما يساهم على تطوير هذا المجال بصورة مستقلة عن الهيمنة الخارجية.
الارتباط بمنظومة القيم الغربية
يمكن ملاحظة كيف تمَّ ربط كل الجوانب الأساسية في الحياة بسوق عالمي تحكمه الدول العظمى، وتديره بصورة تحقق مصالح الغرب؛ تمَّ ذلك من خلال المواثيق الدولية والمعاهدات التي فرضت نظامًا عالميًّا إلزاميًّا في جميع الجوانب المالية والتجارية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتلك المواثيق تمثل نظامًا عالميًّا، أريد له أن يكون أعلى من الدساتير المحلية، وبالتالي يصبح أعلى من المرجعية الحضارية والدينية للأمة، والهدف من ذلك؛ هو إلزام كل دول العالم بنظام يمنعها من أن يكون لها خصوصيتها، ويمنعها بالتالي من تحقيق استقلالها، وفي نفس الوقت، فإن النظام العالمي وضع من أجل حماية تفوق الدول الغربية، وتمكينها من الاستمرار في تقدمها وهيمنتها على العالم.
صحيح أن الكثير من محتويات بعض المواثيق يبدو إيجابيًّا، ولكن المشكلة في أن جملة هذه المواثيق تمثل نظامًا غربيًّا، أي نابعًا من التجربة الغربية؛ وهي محاولة لتعميم النظام العام الغربي على كل دول العالم، وهذا التعميم يعني ضمنا، أن تكون البلاد العربية والإسلامية ملتزمة بمرجعية النظام الحضاري الغربي؛ مما يمنعها ضمنًا من أن تستعيد مرجعيتها الحضارية الإسلامية، وفي نفس الوقت، يجعل أي استناد للمرجعية الحضارية الإسلامية، يتم من داخل التزام أعلى بالمرجعية الحضارية الغربية، وكأن ما يسمح به للأمة، هو أن تطبق مرجعيتها الحضارية الإسلامية، إذا لم تتعارض مع المرجعية الغربية.
تعميق التخلف
العديد من الشواهد تؤكد أن حالة التراجع في مستويات المعيشة والتراجع في مستويات التعليم وفي النشاط العلمي والخدمة الصحية؛ هي نتاج لعلاقة التبعية الحادثة بين النخب الحاكمة والقوى الغربية، فهذه العلاقة تقوي الاستبداد، كما تسمح بانتشار الفساد، وتؤدي إلى انهيار أداء الدولة وتدهور قدراتها وإمكانياتها، فعلاقة التبعية بين النخب التي تحكم والقوى الغربية المساندة والداعمة لها تقوم أساسًا على الخضوع للطرف الأقوى، والتنازل عن المصالح الوطنية؛ مما يجعلها في الواقع علاقة تتناقض مع العلاقة الطبيعية التي يجب أن تقوم بين النخب ومجتمعاتها، وكلما كانت النخب الحاكمة متحالفة مع الدول العظمى وتابعة لها، كلما أصبحت في خصومة مع مجتمعاتها.
ولهذا نشهد تدهورًا في الأداء العام، في أغلب البلاد العربية والإسلامية؛ مما يؤدي إلى تراجع في مختلف جوانب الحياة، فالدول عندما تكون تابعةً، تصبح في النهاية منهارة ومتخلفة.
أسلحة الإصلاح
في تلك المعركة يكون على حركات الإصلاح الحضاري العمل من أجل صد تلك الهجمات، وأهم وسائل الصد تتعلق بحماية وعي الأمة بهويتها ووحدتها، فلكما أدركت الأمة هويتها الحضارية ومرجعيتها الدينية، وكلما أدركت أنها أمة واحدة، وكلما طالبت بتحقيق وحدتها وحلمت بتحقيق نهضتها، كلما خابت كل محاولات السيطرة على الأمة وتخريب وعيها الحضاري، وتلك العملية تمثل في تصورنا حجر الزاوية في مواجهة ما تتعرض له الأمة. فالأمة التي تملك وعيًا بهويتها، وإرادة وتصميم لتحقيق وحدتها ونهضتها، هي الأمة التي تنهض في النهاية.
يُضاف لهذا أهمية القيام بعملية بناء مضاد، إذا صح التعبير؛ لأن كل الظروف التي تواجه الأمة تعرِّضها للعديد من الأمراض الاجتماعية والاقتصادية والصحية والثقافية والتعليمية؛ مما يعني أن جمهور هذه الأمة يحتاج لتوفير العلاج الفوري له، حتى يصح اجتماعيًّا وصحيًّا وتعليميًّا وثقافيًّا، وهذه العملية لها أهمية كبرى؛ لأن حماية أبناء الأمة من حالة التردي الحادثة تمثِّل في الواقع عملية بناء للفرد القادر على حماية نفسه ومجتمعه وأمته، وهو الفرد القادر أيضًا على العمل من أجل تحقيق الأفضل، فالظروف المحيطة بالأمة، تؤدي إلى إضعاف المجتمعات العربية والإسلامية، وأي عمل إصلاحي يقوم أساسًا على قوة المجتمع، وقدرته على الإصلاح والتغيير والنهوض؛ ولهذا تصبح عملية تقوية الفرد، ومن ثم تقوية المجتمع، هي مواجهة مضادة لعملية إضعاف الأمة، فسلاح الإصلاح الأساسي هو وعي الأمة وقوتها.