![]() |
|
شعبان عبد الرحمن |
ليست القضية الأولى التي يتم فيها ضبط صهاينة متلبسين بجريمة كبرى على أرض الولايات المتحدة، ولكن المفاجأة في القضية الأخيرة؛ هي أن أبطالها حاخامات كبار، والأنكى أن تهمتهم تهوي بهم كرجال دين في الحضيض، إذ قاموا بالتعاون مع أربعة وأربعين آخرين بعمليات غسيل أموال، وبيع وتهريب كلى بشرية من الولايات المتحدة إلى "إسرائيل" عبر مؤسسات يهودية أمريكية، وتلك فضيحة بكل المقاييس!.
وحتى تتضح الصورة، فالحاخامات المتهمون هم: "إلياهو بن حاييم" الحاخام الرئيس بأحد المعابد اليهودية في "ديل"، و"آدموند ناحوم" الحاخام الرئيس بمعبد آخر في "ديل"، و«شاؤول كاسين»؛ وهو كبير حاخامات معبد في "بروكلين"، و"مردخاي فيش" حاخام بأحد معابد "بروكلين"، وقد قال "رالف مارا" القائم بأعمال المدعي الأمريكي عن هذه العصابة في بيان رسمي: "إن التهم رسمت صورة شائنة لرموز دين يتزعمون "عصابة" لغسل الأموال.. إنهم رموز دين يعملون زعماء عصابات جريمة".
وتؤكد شهادات محققي مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في تلك القضية التي بدأ التحقيق فيها منذ عشر سنوات أن: حملة الاعتقالات الضخمة "غير مسبوقة"، وتفضح "ثقافة الفساد" التي لطَّخت سمعة ولاية "نيوجيرسي" خلال العقود الماضية.
الغريب في الأمر، أن تلك الفضيحة الكبرى قوبلت بتجاهلٍ واضحٍ من الآلة الإعلامية الأمريكية، ولم تأخذ حقَّها من التناول الإعلامي؛ لأن المتهم فيها بالطبع حاخامات، والطرف الأساسي فيها هو الكيان الصهيوني، وتلك عادة الآلة الإعلامية الغربية عمومًا مع كل جريمة يرتكبها الصهاينة، والتي كان آخرها قضية التجسس الصهيوني على وزارة الدفاع الأمريكية؛ حيث ضبط اثنان من كبار المسئولين في لجنة العلاقات الأمريكية الصهيونية "إيباك" عام 2005م، متلبسيْن بسرقة وثائق سرية تتعلق بالأمن القومي الأمريكي؛ وهي القضية التي نظرها القضاء الأمريكي في صمت، بعد التجاهل المتعمّد من قِبل الآلة الإعلامية!!.
ووقعة تجسس ضابط البحرية الأمريكي "جوناثان بولارد" الشهيرة عام 1985م لحساب الكيان الصهيوني؛ تعد أيضًا وقعةً شهيرةً في هذا الصدد، وهو ما يؤكد أن التجسس سياسة صهيونية ثابتة مع الولايات المتحدة، ومن باب أولى مع بقية دول العالم، وذلك أمر معلوم للجميع، ففي تقريرٍ نشره الموقع الإلكتروني لصحيفة (هآرتس) الصهيونية في 3/9/2004م، قال مسئولون أمريكيون: "إن "إسرائيل" تمارس التجسس النشط والمكثف على الولايات المتحدة منذ سنواتٍ طويلة، خلافًا للادعاءات "الإسرائيلية"، وهي صاحبة سجل طويل في محاولة تجنيد مسئولين أمريكيين كجواسيس للحصول على وثائق سرية أمريكية، وإن نفي "إسرائيل" المتكرر لذلك أمر مثير للضحك..".
وقد استفزَّ ذلك العديد من كبار الكتاب الأمريكان، ومن بينهم الكاتب الجريء "بول فندلي" الذي قال في واحدة من لحظات غضبه: ليتحرر الأمريكيون من العبودية لآثام "إسرائيل"!!؛ لكن صيحات "بول" وغيره كثيرون تذهب أدراج الرياح.
هذه السياسة الصهيونية الشائنة مع واشنطن أصابت العديد من الرؤساء والمسئولين الأمريكيين بالتقزز والاشمئزاز، وقد عبَّروا عن ذلك في مناسبات عدة، فالرئيس الأمريكي "هاري ترومان"؛ وهو أول رئيس أمريكي يعترف بالكيان الصهيوني عام 1948م صبَّ في يومياته التي نُشرت- بعد وفاته بالطبع- على موقع "مكتبة ترومان" على الإنترنت جام غضبه على اليهود قائلاً: "... إن اليهود أنانيون جدًّا جدًّا.. وحين يتمتعون بالسلطة المالية؛ فإنهم لا يدعون "هتلر" أو "ستالين" يتفوقان عليهم فظاظةً وسوءَ معاملة تجاه الناس العاديين..".
وقال الرئيس الأمريكي الأسبق "جيمي كارتر" لأحد المقربين إليه عام 1980م: "إذا تمت إعادة انتخابي فسوف أقسو على اليهود"، وقد تابع العالم مواقف "كارتر" المنتقدة بشدة للجرائم الصهيونية على أرض فلسطين، والتي سطَّرها في كتابه "فلسطين: سلام وليس فصلاً عنصريًّا"، ثم استمرار مواقفه الإيجابية من الشعب الفلسطيني وقضيته، ومن قبله قال الرئيس "جيرالد فورد" لأحد أعضاء الكونجرس الأمريكي، متعجبًا: "هل سنسمح لليهود أن يحكموا السياسة الخارجية الأمريكية؟!".
وإذا اجتمعت مسالك التجسس والخيانة الصهيونية مع مشاعر الغضب والازدراء من قِبل بعض الساسة الأمريكيين حيال اليهود وتصرفاتهم؛ أدركنا إلى أي حدٍّ انحدرت صورة اليهود والكيان الصهيوني عند كثيرٍ من الأمريكان؛ لكن المعادلة الصعبة هي أن المصالح الانتخابية، والحرص على الحصول على الدعم المادي للفوز في الانتخابات الرئاسية وبمقاعد مجلسي النواب والشيوخ؛ جعلت معظمهم يغلِّبون المصالح الانتخابية على المصلحة القومية، فيسعون دائمًا لكسب ود اليهود واللوبي الصهيوني الذي بات يمسك بمعظم مفاتيح اللعبة السياسية هناك، فهل يحل الرئيس "باراك أوباما" تلك العقدة ويحرر بلاده من آثام ومغامرات هؤلاء؟!.
-------------
* كاتب مصري- مدير تحرير مجلة (المجتمع الكويتية).
