منذ أيام وتحديدًا في 27/7/2009م وقع بين يدي- أثناء احتفالي بيوم ميلادي الذي هنأت به توأمي الصحفي المجتهد بالكرامة "حسن"- كتاب رائع للأستاذ رشاد كامل بعنوان "الصحافة والثورة.. ذكريات ومذكرات"، رصد فيه أحوال الصحافة مع جيل بارز بإيجابياته وسلبياته في بلاط أصحاب الجلالة هم: موسى صبري، أحمد حمروش، د. محسن عبد الخالق، فتحي غانم، أحمد بهاء الدين، يوسف إدريس، حلمي سلام، صلاح حافظ، مصطفى أمين.

 

وكانت مكتبة الأسرة أصدرته خلال مهرجان القراءة للجميع عام 2002م ضمن الأعمال الفكرية، وقرأته بنهم خلال يوم الميلاد، وكلما ازدادت قراءاتي ارتبطت ذاكرتي بالواقع الأليم الذي تعيشه الصحافة المصرية في عهد مبارك، وكدت أتيقن أن حرية الصحافة جلدت في سجون عصر الثورة وعصر الانفتاح!!.

 

وما يهمني في "الصحافة والثورة.. ذكريات ومذكرات" ليس سرد الوقائع وكشف الواقع الأليم للصحافة في عصر انتهى، ولكن إنقاذ واقع صاحبة الجلالة في ظل ظروف صعبة للغاية؛ حيث وجدت في هذا الكتاب عبارات وفقرات كاملة تعايش عصر الانفتاح الذي ظهرت فيه ظواهر ليست بجديدة؛ لكنها مؤلمة لصاحبة الجلالة خاصة عندما تجد صحفيين مخبرين جعلوا من تحريات أمن الدولة تقارير جديرة بالنشر بحجة الرأي والرأي الآخر، وتجد نقابةً ونقيبًا في حالة من الجمود!!.

 

الأولى: للزعيم محمد نجيب نشرت- يونيو 1953م- في (المصور) قال فيها: "لسنا نريد من الصحافة والصحفيين أن يتحولوا إلى فرقة من المطبلين تسير في موكبنا، فليس هناك في ذلك إرساء لقواعد هذا النظام ولا إعلاء لبنيانه، وإنما نريدهم أن يعينونا إذا رأونا على حق، وأن يسددونا إذا رأونا على باطل، وألا يكتبوا الكلمة إلا بعد أن يستفتوا ضميرهم الوطني فيها، ولا ينشروا المقالة إلا بعد أن يستأذنوا مصر- لا الرقيب ولا محمد نجيب- في نشرها .." ص 176.

 

الثانية: للأستاذ هيكل-اتفقنا أو اختلفنا معه- وهو يقول على صفحات (آخر ساعة) في 13 مايو 1953: "كان مفروضًا أن أضع على فمي مائة قفل، وكان مفروضًا أن أربط قلمي بمائة سلسلة، وكان مفروضًا أن لا أعود إلى الحديث الصريح عن صحافة مصر".

 

وأضاف: "إنني كنت أتمنى لو أن نقابة الصحفيين واجهت أزمتها بكرامة وعزة، وقالت الحق على نفسها لتستطيع أن ترفع رأسها وتقذفه في وجوه الآخرين، وقدمت بيدها الدليل لاستحقاقها للحرية قبل أن تثور عليه.. إن أحدًا لا يستطيع أن يعطينا الحرية.. إن الحرية لا تعطى كما تعطى المصروفات السرية- التي كانت تعطى من الأنظمة لبعض صحفييها- والحرية لا تطلب استجداءً وتسولاً.. إن الحرية كامنة في قلوب الأحرار رابضة على أسنة أقلامهم.. ألم يكن هذا ما قلته حين رويت: "لقد قيل لأحد المسئولين يومًا إن نقابة الصحفيين سوف تنظم حملة للمطالبة بحرية الصحافة، فهل أعددتم ردًّا على هذه الحملة؟ وقال المسئول: "نعم.. أعددنا كشف المصروفات السرية منذ 1930م حتى اليوم" لقد كان هذا هو مقتل الحرية، وعليه ينبغي أن تكون الثورة وضده تكون انتفاضة العزة والإباء!!" ص17، 18.

 

وكان "هيكل" قد فتح النار على الصحافة المصرية، وطالب بتطهيرها في مقال له بمجلة (آخر ساعة) بتاريخ 13 أغسطس 1952م جاء فيه: "صاحبة الجلالة الصحافة وأفراد بلاطها السعيد يقومون هذه الأيام بدور غريب عجيب! بعض أفراد هذا البلاط السعيد! استباحوا لأنفسهم مقعد النائب العمومي، وجلسوا يوجهون الاتهام ذات اليمين وذات اليسار، ويحددون من الذي تعلق رقبته في حبل المشنقة، ومن الذي يكتفي بوضعه وراء القضبان!.

 

إنني أعتقد- وأنا واحد من أفراد البلاط السعيد لصاحبة الجلالة- أننا نحن- أفراد هذا البلاط جميعًا- آخر من يحق لنا أن نصنع هذا، آخر من يحق لهم أن يستبيحوا لأنفسهم مقعد النائب العمومي موزع الاتهام.

 

آخر من يحق له شيء من هذا لسبب واحد؛ هو أننا نحن أيضًا في حاجةٍ إلى تطهير!.

 

من سوء الحظ أننا- أفراد بلاط صاحبة الجلالة- نملك قوة هائلة نحاسب بها الناس؛ ولكن تمنع الناس من أن يحاسبونا.

 

ومن سوء الحظ أننا- أفراد صاحبة الجلالة- نملك أن ننقد الآخرين؛ ولكننا لا نسمح لأحد أن ينقدنا؛ لأننا نحن الذين نسيطر على ما يجب أن ينشر وما ينبغي ألا تراه عيون القراء!.

 

إني أقولها بصراحة- وأنا أعتقد أنها ستجلب لي متاعب الدنيا و(الآخرة)- إننا علينا مسئولية كبرى في كل الذي صارت إليه الأحوال وقد بدأت مصر كلها تنادي بالتطهير، وعلينا نحن أيضًا أن ننادي مع مصر بالتطهير، تطهير أنفسنا قبل تطهير الآخرين!" (ص 19,18).

 

أكتفي بسرد هذه العبارات من هذا الكتاب، وأوقن أن الصحافة الورقية والإلكترونية تحتاج إلى تطهير، وربما المواقف السلمية لصحفيي (الأهرام) مع الكاتب مرسي عطا الله وصحفيي (آفاق عربية) و(الشعب) مع الحكومة تكون بدايةً حقيقيةً لهذا التطهير الذي يحتاج إلى أفكار سلمية وحيوية الشباب ومواقف جادة تعيد لصاحبة الجلالة كرامتها وعزتها المفقودة مع سبق الإصرار والترصد.