د. حسن الحيوان

إذا نظرت إلى الأحوال العامة في مصر ترى الاتفاق الكامل بين الجميع على التراجع العام في معظم المجالات.. إذا نظرت إلى الأسباب تجد الإجماع على أن الحكومة- ومن قبلها النظام الحاكم- هو السبب الرئيسي في كل ذلك.

 

النظام وصل خصوصًا في مراحله الأخيرة إلى البُعد عن الفطرة، التي تتمثَّل في الأخذ والعطاء؛ مما أدَّى بشكل عام إلى افتقاد الشعبية، وللأسف نستطيع أن نقول إن كل ذلك بسبب الافتقار إلى العطاء.

 

الاحتفاظ بالسلطة في ظل هذه الظروف أمرٌ مستحيلٌ، إلا من خلال العمل على سلب الحريات العامة وشتَّى صور الاستبداد، وكذلك منع الأفراد والأحزاب والنقابات وشتَّى الجماعات من القيام بأي دور مفيد للمجتمع، حتى لو كان هذا الدور سليم عرفًا وقانونًا والمجتمع في أشدِّ الاحتياج إليه، وذلك حتى لا يظهر عجزُ الحكومة؛ مما يؤدي إلى ظهور بديل للنظام.

 

الأمر المنطقي ونتيجةً لما سلف هو خروج الأحوال العامة عن الإطار الطبيعي، ووصول العلاقة بين القضايا المشروعة والمحظورة- شرعية الواقع- إلى الوضع العكسي؛ حيث المشروع غير كافٍ أو غير عملي، وأحيانًا غير نزيه أو ما شابه ذلك، إلى حدِّ الوصول في بعض الأحيان إلى الفوضى والتسيُّب.

 

على سبيل المثال وليس الحصر:

1- التعليم: الدروس الخصوصية في شتى مراحل التعليم لا تحتاج إلى أدنى توضيح، كذلك الجامعات الخاصة والجامعات التابعة لبعض الدول الأجنبية، وكلٌّ له أجندته الخاصة، لا تعبِّر مطلقًا عن سيادة النظم المشروعة.

 

2- الانتخابات البرلمانية 2005: الإخوان المسلمون هم الفصيل الوحيد الذي أثبت جدارته، وتفوَّق في الانتخابات على كل الأحزاب المشروعة الأخرى، وهي الجماعة الوحيدة المحظورة, في مقابل الحزب الوطني؛ حيث ضعف الشعبية وعدم الحصول على ثلث أو حتى خُمس مقاعد البرلمان دون تدخلات السلطة بشتى الصور، وكذلك ضمّ المستقلين للحزب الوطني.

 

3- المواصلات: مشكلة "الميكروباص" والشارع المصري قد تصل بعد فترة إلى كارثة، وفشل الحكومة واضح في القدرة على إدارة القضية، وكذلك استحالة الاستغناء عن "الميكروباص" لعدم كفاءة المواصلات الحكومية على الإطلاق.

 

4- العدل والتقاضي وتنفيذ الأحكام: هل يستطيع أحد الاعتماد على الفصل في معظم أنواع الخلافات بين الناس على المحاكم الرسمية وإجراءات التقاضي؟! حتى في حالات صدور الأحكام، ما مدى الاعتماد على تنفيذ هذه الأحكام؟ يلجأ معظم الناس إلى الحلول العرفية المعروفة، وللأسف الشديد في كثير من الأحوال إلى أساليب البلطجة والتزوير، وكلها أساليب محظورة.

 

5- الإعلام: هروب المثقفين إلى صحف المعارضة، وكذلك قنوات الفضائيات غير الرسمية؛ مؤشرٌ لا يحتاج إلى تفصيل.

 

6- آلية إنهاء المصالح مع شتى هيئات ووزارات الدولة: ما هي نسبة إنجاز هذه المصالح بالطرق السليمة، من خلال النظم المشروعة مقارنةً بالطرق المحظورة من رشاوى ووسائط بشتى أشكالها؟!

 

7- علماء الدين ودعاته: أين تأثير العلماء والدعاة الرسميين مقارنةً بتأثير الدعاة غير الرسميين على الساحة؟ الحكومة تحاربهم مع عدم وجود البديل، كما أن انتشار التخبُّط وأحيانًا نزعات التطرف عند بعض الشباب وكذلك انتشار دعاة السحر والشعوذة والنصب على عباد الله يدلُّ بشكل أكيد على الفراغ الكبير؛ حيث لا يوجد أدنى دور للحكومة في هذا المجال؛ مما أدَّى إلى انتشار المحظور.

 

8- وأخيرًا سعر صرف العملة: لقد استمرت الأوضاع بشكل غير منطقي بخصوص سعر صرف العملات الأجنبية، خصوصًا الدولار، والذي كان معروفًا بالسوق السوداء، وقامت الحكومة بتحرير سعر الصرف والاحتكام إلى سعر السوق، وهو أمر إيجابي نذكره للتأكيد والمقارنة.

 

وأخيرًا.. هل يستطيع مسئول واحد في الحكومة الاعتراض على أي من الأمثلة السابقة؟!

هل نحتاج إلى سرد بقية الأمثلة التي قد تشمل معظم مجالات الحياة في مصر؟!

هل نحتاج إلى تأكيد استحالة استمرار تدهور الأحوال بشكل مستمر؟!

هل يحتاج المسئولون إلى أن نطلب منهم التحرير.. تحرير سعر الصرف في شتى المجالات المذكورة وغيرها؟!

 

الحقيقة أن كبار المسئولين هم الذين يحتاجون إلى الاقتناع الفعلي بأن أصل كلمة التحرير هو الحرية.. الحرية.. الحريات العامة.

 -----------------

* رئيس جمعية المقطم للثقافة الحوار.

hassanelhaiwan@hotmail.com