يمكن القول إن قرار محكمة العدل الدولية بشأن أبيي تتبَّع المعايير القانونية في تعيين الحدود، وجاء بصيغة التراضي، ورغم التهدئة التي تلَت الإعلان عن القرار، إلا أن عمق الخلاف بين القوى السياسية يتجاوز مسألة أبيي بكثير.
لقد اتبع القرار الأدلة القانونية الثابتة، واعترف بحدود يناير 1956 بين شمال السودان وجنوبه، ولكنه فيما يتعلق بالحدود الشرقية والغربية لأبيي رأى أنها تحتاج إلى إعادة ترسيم، ووفقًا للمشاهدات والأدلة التاريخية لم يكن بمقدور المحكمة إصدار قرار يضع المنطقة بكاملها في نطاق الجنوب أو الشمال، ولذلك نجدها وجَّهت اللوم للجنة تعيين حدود أبيي؛ بسبب تجاوزها أوضاعًا قانونيةً وسياسيةً قائمةً، وهو ما اعتبرته تجاوزًا لاختصاصات اللجنة.
ورغم ترحيب كلِّ الأطراف السودانية بهذا القرار ظهرت خلافاتٌ كبيرةٌ فيما بينهم، وهو ما يعني أن مسألة أبيي رغم ما تمثِّله من أهمية سياسية وإستراتيجية لكلٍّ من المؤتمر الوطني والحركة الشعبية وحزب الأمة؛ فإنها لا تلغي أهمية الملفات الأخرى.
فبعد صدور القرار بيومين نشب خلاف بين الحركة الشعبية والحكومة الاتحادية حول آبار للنفط خارج منطقة أبيي، هذا الخلاف لا يرجع إلى النزاع على الحدود الإدارية، ولكنه يرجع إلى تطبيق مفهوم قسمة الثروة، فالحركة ترى أنه من حقِّها إدارة هذه الحقول وفقًا لبروتوكول قسمة الثروة الموقَّع بين الطرفين في إطار اتفاقية السلام الشامل.
وتمثل نتائج التعداد السكاني وتقسيم الدوائر الانتخابية المشكلةَ الأكثرَ أهميةً في هذه المرحلة؛ إذ يواجه المؤتمر الوطني معارضةً شديدةً من كافة الأحزاب والحركات السياسية؛ حيث ترى أن التعداد السكاني لا يعكس الواقع الاقتصادي والسكاني لمناطق السودان على اختلافها، وتبرز المعارضة بشكل خاص من جانب الحركة الشعبية وحركة العدل والمساواة، ويؤثر ذلك الخلاف في الانتخابات التشريعية والرئاسية، وهو ما قد يؤدي إلى تأجيلها مرةً أخرى، وخاصةً في ظل الاحتقان بين المؤتمر الوطني من جهة والأحزاب والحركات من جهة أخرى؛ بسبب الخلاف حول تمتُّع الحكومة الاتحادية بالمشروعية القانونية.
لعل المشكلة الأكثر أهميةً في موضوع الانتخابات هو ما يتعلق بقدرة الحكومة على إجراء الانتخابات على مستوى السودان، الملاحظ في هذا الشأن هو أن عقد الانتخابات في دارفور سوف يواجه صعوباتٍ في ظل رفض العدل والمساواة لإجراء الانتخابات قبل التوصل إلى اتفاق سلام مع المؤتمر الوطني، وما يزيد الأمر تعقيدًا هو أن الولايات المتحدة بدأت تشير إلى استثناء دارفور من إجراء الانتخابات القادمة، وهو ما يتماثل مع ما حدث في الجنوب على مدى سنوات الحرب الأهلية منذ خمسينيات القرن الماضي، وقد يترتَّب عليه وضعٌ جديدٌ للأزمة السياسية في غرب السودان.
لعل الجانب الإيجابي في قرار تحكيم أبيي هو أنه خفَّف من وطأة الأزمة السياسية في السودان، بشكل يعطي فرصةً لتهدئة الملفات الأخرى، وهذا ما يحتاج إلى جهود كبيرة لا تتوفر في الوقت الحالي للأطراف السودانية.