قُم في فَمِ الدُنيا وَحَيِّ الأَزهَرا وَاِنثُر عَلى سَمعِ الزَمانِ الجَوهَرا
وَاجعَل مَكانَ الدُرِّ إِن فَصَّلتَهُ في مَدحِهِ خَرَزَ السَماءِ النَيِّرا
وَاِذكُرهُ بَعدَ المَسجِدَينِ مُعَظِّمًا لِمَساجِدِ اللَهِ الثَلاثَةِ مُكبرا
وَاخشَع مَلِيًّا وَاقضِ حَقَّ أَئِمَّةٍ طَلَعوا بِهِ زُهرًا وَماجوا أَبحُرا
كانوا أَجَلَّ مِنَ المُلوكِ جَلالَةً وَأَعَزَّ سُلطانًا وَأَفخَمَ مَظهَرا
محمد سيد قطب
كلمات أطلقها أمير الشعراء أحمد شوقي، مصورًا ما كان يعتقده الناس في الأزهر في زمانه، وعلى مدى قرابة عشرة قرون مضت، هذا الدور الذي جعل شهرة الأزهر كجامع وجامعة تتجاوز الآفاق لتصل إلى أقاصي سيبيريا شمالاً وجنوب إفريقيا جنوبًا، حبًّا وإعزازًا وتقديرًا للدور الذي يقوم به في تعليم أبناء المسلمين رسالة الإسلام، هذا الدور الذي يتعرض منذ فترة لكثير من الانكماش، وفي الفترة الأخيرة للتهديد؛ لاستمراره ولو على مستوى ضعيف كما هو الواقع الآن، ويمكن أن تترتب مظاهر الانحسار في الآتي:

1- تجميد ميزانية الأزهر القائمة على الوقف الإسلامي، وتحويل أوقاف الأزهر إلى تبعية وزارة الأوقاف المصرية، والإنفاق على الأزهر من مخصصات محددة في ميزانية الدولة؛ الأمر الذي حرم الأزهر من معين مادي لا ينضب؛ يتمثل في أوقاف المسلمين، وتحويل استغناء علماء الأزهر عن الحاجة المادية التي تغطيها أوقاف الأزهر إلى موظفين عموميين، ينتظرون رواتبهم آخر كل شهر من ميزانية الدولة.
2- نقل سكن الطلاب المبعوثين من جوار الجامع الأزهر إلى مدينة البعوث في منطقة معزولة عن السكان، الأمر الذي يمنع المعايشة بين الوافدين والمجتمع، مما يحرم طلاب البلاد غير المسلمة من التعايش مع مجتمع مسلم، والتعرف على ثقافاته وعاداته.
3- التحكم في عدد الطلاب الوافدين، وفقًا للميزانية المخصصة من الدولة للإنفاق على الأزهر، دون النظر- للمجمد بتحويله لوزارة الأوقاف- إلى ما يمتلكه الأزهر من أموال هي أوقاف المسلمين المخصصة للنفقة عليه، وليس للدولة لا جهد ولا فضل فيها، مع أن القاعدة الشرعية تدور حول أن الوقف لا يجوز تغير غرضه، ولا نقل منفعته، ولا تحويله عن قصد الواهب.
4- التعامل من خلال الأجهزة الأمنية مع الطلاب المبتعثين من حيث القبول في الأزهر أو عدمه، مع أن العرف الذي جرى في الأزهر لقرون متعددة جرى على أن الطلاب يأتون إلى الأزهر، ويُسمح لهم بالحضور وتعلُّم اللغة وأصول العلم، ثم يُختبرون للقبول اختبارًا علميًّا، يكون على أساسه قبول الطلاب أو عدم قبولهم.
5- بعد أحداث سبتمبر، تمَّ تخفيض عدد المبتعثين أكثر من مرة، وزاد التشدد الأمني في منح تأشيرات الإقامة للطلاب.
6- تكرار حوادث اعتقال طلاب جاءوا لتعلم الإسلام في مصر الأزهر، وللالتحاق بالأزهر أثناء قبولهم أو بعده، وتعرُّض بعضهم لتعذيب شديد، ولعل فضيحةَ الطالب الفرنسي، الذي تمَّ تعذيبه تعذيبًا شديدًا قبل إطلاق سراحه، الأمر الذي أدانته منظمة العفو الدولية؛ خيرُ شاهدٍ على ذلك.
7- الاعتقالات الأخيرة، والتي بدأت بعد تفجير الأزهر، وكان من نتيجتها ترحيل طلاب روس حاصلين على حق اللجوء في أذربيجان، والعجيب أن الترحيل كان لروسيا البلد الذي فرُّوا منه، وليس لأذربيجان البلد الذي حصلوا على حق اللجوء إليه؛ مما يعني تعرضهم للخطر، خصوصًا أن أحدهم ابن أحد قادة المجموعات الشيشانية المقاتلة.
8- وأخيرًا نشرت جريدة (المصريون) الإلكترونية قرار الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر تقليصَ أعداد الطلاب الوافدين للدارسة بالأزهر، خاصةً من المنتمين إلى دول شرق آسيا، وأن القرار غير المُعلَن سيتمُّ تطبيقه على ثلاث مراحل؛ حيث يهدف شيخ الأزهر من خلاله إلى تقليص أعداد الطلبة الأجانب البالغ 25 ألفًا، يمثِّلون أكثر من 80 دولةً إسلاميةً من مختلف أنحاء العالم إلى نحو النصف.
وتمَّ التمهيد لذلك بإصدار قرار بإغلاق مكتب رعاية الطلاب الوافدين بالأزهر، وهو ما يمثِّل أولى الخطوات على طريق تقليص أعداد الطلاب الوافدين بالدراسة بالأزهر، ويهدف القرار كما أكدت مصادر بمشيخة الأزهر إلى ترشيد إنفاق الأزهر على التعليم، لمواجهة العجز المزمن في ميزانية جامعة الأزهر، وهو عذر أقبح من ذنب؛ خصوصًا بعد استرداد الكنيسة المصرية لأوقافها، فماذا لا يسترد الأزهر أوقافه، خصوصًا أن تقديراته في دراسات جامعية موثقة تؤكِّد أن حجم أوقاف الأزهر لا تقل عن مليارات متعددة.
كيف تنظر الدولة المصرية إلى الأزهر؟!
والإجابة على هذا السؤال تحل الكثير من الإشكالية القائمة، فالأزهر خلال قرون متعددة كان مؤسسة مستقلة عن الدولة، بل يحدث أحيانًا أن يقف الأزهر في مواجهة الدولة في قضية من القضايا، وسرعان ما تتراجع الدولة أمام قوة الأزهر المعنوية، والشعبية، وكأن الأزهر هو رأس الحربة في مواجهة كل محتل يصل إلى البر المصري، ولم يكن الاختلاط بين الأجانب والمصريين في الأزهر يمنع من مشاركة الجميع في أشكال المقاومة المختلفة؛ ولعل سليمان الحلبي نموذج واضح على ذلك، ويرجع ذلك للنظرة السائدة وقتها بأن: "المسلمين أمة واحدة"، والأزهر أحد الجوامع التي تجمع الأمة، وهو عنوان الثقافة والمعرفة للمسلمين، وهو عنوان شرف وكرامة لمصر؛ أهلها وعلمائها وحكومتها، فهل تنظر الحكومة المصرية الحالية للأزهر نفس النظرة؟، أم ينظر إلى الأزهر على أنه مظهر من مظاهر الانفصام في النظام المصري بين العلمانية والإسلام، ومصدر قلق وضغوط بسبب تركيز جهات إستخباراتية متعددة، وجهة إنفاق تحتاج إلى موارد إنفاقها في مجالات أخرى أكثر جدوى وأهم بالنسبة للأولويات المطروح، خصوصًا وقد تسرب منذ فترة ليست بالقليلة أنباء عن إغلاق جامعة الأزهر بشكل كامل، وتحويل تبعيتها الكاملة إلى التعليم العام، وبهذا يقضى تمامًا على الازدواجية المشكلة بين التعليم الديني والتعليم المدني في مصر، وقبل ذلك ينتهي الدور العالمي للأزهر تمامًا؟.
التنسيق الأمني المصري- الروسي لمكافحة التطرف الديني ودوره في القضية
وللحقيقة، فالتنسيق الأمني بين مصر ودول مختلفة في العالم؛ سواء أكانت شرقية أو غربية- على التقسيمات القديمة- أمر لا يخفى على أحد ودور مصر في محاربة الأصولية الإسلامية كبير جدًّا، بل إن أجهزة الاستخبارات في روسيا وآسيا الوسطى تستعين بشكل رسمي بالأمن المصري في تأهيل ضباطها على هذا الدور في مكافحة الإسلام السياسي والأصولية الإسلامية بشكل عام، وهو أمر يتناقض بالتبعية مع وجود الأزهر؛ كجامع وجامعة عالمية، تدرس الإسلام الشامل بمفهوم يتناقض مع دور مكافحة الأصولية، وتتيح تلاقي الأفكار، وانتقال الأخبار بين أبناء الجاليات الإسلامية من جوانب الأرض المختلفة، وكان على الحكومة المصرية أن تختار بين جانبين، ومع وضع مسعود عبد الله ييف (22 عامًا) يوم الجمعة: ١٩/٦/٢٠٠9م على متن طائرة متوجهة إلى موسكو برفقة زميل شيشاني آخر يدعى أحمد عظيموف، وكلاهما يدرسان في جامعة الأزهر بالقاهرة؛ وذلك بعد يومٍ من ترحيل السلطات أربعة طلاب شيشانيين آخرين أمس إلى العاصمة الروسية، وفي اتصال هاتفي أجرته معه قناة (روسيا اليوم) أكد سفير جمهورية مصر العربية في روسيا؛ الدكتور عزت سعد أن الموضوع قد تمَّ احتواؤه، وأن معظم الطلبة، أو أغلبيتهم الساحقة تم إخلاء سبيلها، وأن المجموعة الصغيرة الباقية يجري حاليًّا التأكد من أوراق إقامتهم مع سلطات الهجرة في مصر، وأضاف السفير المصري "أود أن أؤكد للقناة أن هناك تنسيقًا أمنيًّا عاليًا جدًّا موجودًا بين السلطات في مصر والسلطات في روسيا، وكرر الدبلوماسي المصري أن "هناك تنسيقًا عاليًا جدًّا بين جهات الأمن في البلدين، وتوجد مجموعة عمل تتشاور وتجتمع بشكل منتظم لحل مثل هذه الأمور".
ويبقى أن دور الأزهر محكوم في الفترة القادمة بتحديد الحكومة المصرية لتوجهاتها:
- هل تستمر في التنسيق الأمني مع أجهزة الاستخبارات الغربية وروسيا في مكافحة الإسلام السياسي، وبالتالي تستمر الظاهرة الغريبة بزيارة رجال السفارات الأجنبية لمدينة البعوث الإسلامية، وتخفيض عدد الطلاب المقبولين سنة بعد سنة؛ حتى يتم إغلاق الملف كليةً بإغلاق جامعة الأزهر، والاستغناء عن الدور العالمي له؟.
- أو استثمار هذا التنوع الطلابي الكبير، والموجود في العمق العالمي؛ بل في أعماق قلوب المسلمين في العالم، وتطوير الأزهر تطويرًا يعتمد على أفضل أساليب التدريس، دون تحريف المنهج الأساس عن مواضعه، وتحرير أوقاف الأزهر لتحقيق اكتفاء للأزهر بأمواله، وفي هذه الحالة ستتضاعف أوقاف الأزهر في سنوات قليلة، ويقوي التأثير الخارجي للسياسة الخارجية المصرية بقوة تأثير الأزهر العريق العملاق، وتبقى الأمانة في أعناق أصحابها تنتظر أداءها.