يجب أن نعترف ابتداءً بأن مفهوم الأمن القومي العربي ارتبط بالمد القومي على افتراض أن الأمة العربية أمة واحدة، ومن حقها أن يكون لها دولة واحدة، ونعترف أيضًا بأن ضرب المد القومي بدَّد فكرة الأمن القومي وكل ما هو قومي.

 

وإذا كان العدوان الصهيوني عام 1967م قد سدَّد ضربةً نجلاء إلى قاطرة المد القومي وهي مصر، فإنه بنفس القدر تابعت "إسرائيل" مصر حتى أخرجتها تمامًا من الساحة القومية من منظور مواجهة المشروع الصهيوني، ولكن صدام حسين بغزوه الكويت وتداعيات هذا العمل أنهى كل حديث عن الأمن القومي ما دامت الكويت لم يسعفها هذا الأمن القومي الذي رفع رايته الغزو العراقي، ثم كان غزو الولايات المتحدة للعراق وتداخل الدور الإيراني مع الأمريكي والصهيوني هو المناسبة التي جعلت المقارنة واردة عند البعض بين إيران والكيان الصهيوني كمصادر لتهديد الأمن القومي، على خلافٍ بين الكُتَّاب والمفكرين حول درجة تهديد كل منهما لهذا الأمن الذي أظن أنه لم يعد موجودًا.

 

نعترف ثالثًا بأن فكرة الأمن القومي ليست موجودةً إلا في المنطقة العربية، أو في النسق الإستراتيجية للدول العظمى مثل الولايات المتحدة التي ترى أن معظم ما يقع في العالم له علاقة بشكلٍ ما بأمنها القومي.

 

وتلح على المنطقة العربية بعد مجيء نتنياهو إلى الحكم في الكيان الصهيوني حالة من التشتت والضياع أعقبت حالة الانسحاب الاختياري من الساحات تركت للصراع إما بين إيران وواشنطن أو بين إيران والكيان أو بين إيران من ناحية وواشنطن والكيان من ناحيةٍ أخرى في الأغلبية الساحقة من الحالات، وسبب التشتت وضياع البوصلة واضح وهو غموض الموقف الأمريكي من إيران أو قل عجزه وميله إلى المساومة والحلول الوسط، يقابله تشدد الكيان في فرض البرنامج الصهيوني بالكامل وفرض خيار ضرب إيران، وكذلك تشدد إيران في ملفها النووي.

 

وبين إيران والصهاينة بدأ يظهر إلحاح أمريكي يسانده طلب مباشر صهيوني مفاده أن المشكلة بين العرب وإسرائيل سببها إيران التي تساند المقاومة، ولولا المقاومة لأمكن تسوية كل شيء ولعاش العرب واليهود في سلام دائم، يترتب على ذلك أن العرب لا يجب أن يواجهوا تحفظهم إلى "إسرائيل" من أجل تسوية القضية الفلسطينية وإنما يعترف بإسرائيل مقابل مواجهة إسرائيل لخطر عاجل والخطر الإيراني الذي يهدد الأمن القومي العربي، وبعد إزاحة الخطر الإيراني ليصبح التفاهم ممكنًا بين إسرائيل المنتصرة النووية المنفردة بكل أصناف القوة وبين العرب الضعفاء الحلفاء نيابة عن الفلسطينين، ثم يطلب من العرب توطين الفلسطينيين في أراضيهم الشاسعة وإخلاء فلسطين كلها لإسرائيل واليهود؛ مما يجعل للتحالف العربي الصهيوني معنى، ويتوقف سبب المشكلة وهو مطالبة الفلسطينيين بحقوق من إسرائيل يدعونها، ورفض إخلاء فلسطين ومقاومة حتى محاولات إبادتهم.

 

يبدو أن هذا التصور هو الذي يتم التفاهم حوله بحيث تتحدد مساهمات الخليح ومصر في التسهيلات اللوجستية الصهيونية، وأظن أن الغواصة النووية التي قالت الصحف الإسرائيلية أنها عبرت قناة السويس قد اتجهت إلى القاعدة البحرية الأمريكية في البحرين.

 

عند هذه النقطة يمكن أن نفهم الأمن القومي العربي الذي ورد مرةً واحدة في قمة الرياض 2007م على أنه قد انشطر إلى نوعين من الأمن متعارضين ومتصارعين: أمن النظم العربية وأمن الأوطان العربية، فلا يحاول أحد في أن أمن بعض النظم العربية قد أصبح على حساب أمن الوطن وخصمًا منه لصالح أعداء الوطن أو الذين يعملون لتقويضه وأخص به المشروع الصهيوني وما يلحقه قطعًا من دعم أمريكي أعمى، ولكنه في عهد أوباما أصبح دعمًا بصيرًا؛ فإيران تحارب المشروع الصهيوني.

 

وهذا، هو السبب في تصدي هذا المشروع لها، وتحارب إيران المشروع من خلال التصدي المباشر له، ودعم المقاومة العربية له، فتكون حربها للمشروع خدمة لأمن الأوطان العربية، وهذه المساندة الإيرانية هي التي تفزع بعض النظم العربية التي يرتهن بقاؤها بالاستجابة لمتطلبات التحالف مع واشنطن وطلبات الكيان بالتالي.

 

وما دام الحاكم في العالم العربي هو الذي يحدد معنى الأمن القومي لبلاده وللعالم العربي من خلال ما يؤمن نظامه فقد ساد منذ فترة حديث متواتر من المفكرين والنظم على السواء عن الأمن القومي العربي فمن ينتظر في المعركة الراهنة: أمن النظم، أم أمن الأوطان؟ ولهذا السبب فإن كل مطالبات بتحويل السلطة بطرق مختلفة إلى الشعوب العربية يؤدي إلى نقل مركز الثقل من أمن الحاكم إلى أمن الوطن ويتبقى اللغز: إذا كانت النظم المستبدة في العالم العربي كانت هدفًا للكيان الصهيوني لأنها حمت نظمها في ظل حماية الأوطان، فهل تصدق أن واشنطن تريد حقًّا نظمًا ديمقراطية تنحاز تمامًا لأمن الأوطان وتناهض تمامًا المخطط الصهيوني؟.