المواطَنة هي حديث النخبة هذه الأيام، الإسلام أكَّد عليها، سواء في الحفاظ على حقوق الأقباط ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (الممتحنة: من الآية 8)، أو حقوق المرأة "النساء شقائق الرجال" أو لكل طوائف المجتمع، فالناس سواسية كأسنان المشط.
وتُثار في وسائل الإعلام هذه الأيام قضية ما يسمى بـ"التنظيم الدولي للإخوان"، ورغم أن القضية ما زالت مطروحةً أمام جهات التحقيق، إلا أن النشر فيها- خاصةً في الصحف الحكومية- يتجه إلى التأكيد والتشهير والتشنيع لاتهاماتٍ غير واضحة أو محددة، بل تبدو متعارضةً متناقضةً متزايدةً متصاعدةً، وليس ثَمَّة فيما يُنشر جسمٌ لجريمة، أو موضوع لجناية، إلا الأقوال المرسلة والصيحات الثائرة.
وأتصور أن الإخوان- بما لهم من تمثيل برلماني، وحضور شعبي- هم مصريون، يستحقون أن تشملهم حقوق المواطنة؛ أُسوةً بغيرهم، مهما حظرهم الحاظرون، أو اختلف معهم المختلفون.
وقد جاء في الاتهامات التي ملأت الصفحات أنهم يساعدون الطلبة الوافدين الذين يدرسون في الأزهر، ولا أدري ما هو العيب في ذلك!!، وأن لديهم أموالاً بلغت الملايين في أكثر من عشر مؤسسات اقتصادية تمَّ غلقها، ومنها شركات صرافة، ولا أدري ما هو المُؤَثّم في أن تكون شركاتٌ بهذا الحجم والعدد بها عدة ملايين، طالما أن الأنشطة مرخصةٌ ومُعلنٌ عنها؟! وهل يجب أن تكون هذه الشركات خاويةً على عروشها حتى يهدأ بال مؤلفي الاتهامات، وهناك تهمة غسيل الأموال التي تحتاج إلى نشاط مشبوه، ولم يعلن عن أية أنشطة مشبوهة، اللهم إلا الظنون الواهية، ثم نسمع عن إعادةٍ مُسَلِّيةٍ لتهمة تصنيع طائرة تطير بغير طيار، والتي اتُّهِم فيها من قبل بعض الإخوان على صفحات جريدة (الأهرام) ثم بُرِّئ منها، ثم عادت التهمة من جديد!!.
أين احترام عقلية القارئ؟ وأين الدليل أو البيِّنة على التهم المرسلة المذكورة؟ وأين احترام التحقيقات السارية والتي لم نسمع من قبل أن جهات التحقيق رفعت مثل هذه الاتهامات إلى أية محكمة في القضاء المدني، ثقةً منها في شموخ قضائنا العادل ونزاهته، الذي لا يأخذ إلا بالدليل الجازم والبينة الواضحة؟! وقد سمعت أن المجموعة الأولى في هذه القضية قد برَّأتهم محكمة الجنايات أو أخلت سبيلهم، ولكنَّ جهات الأمن اعتقلتهم، فلماذا لم تُبْرِز هذه الصحف هذا الحدث بدلالته اللائقة؟!
إنني قد أختلف مع الإخوان ولكن لا أغمطهم حقَّهم في كامل المواطنة، ولا يجب أن نسير في موجة إباحة أعراضهم للغادي والرائح في أجهزة الإعلام.. اشتم ولا حرج، شهِّر ولا حرج، شنِّع ولا حرج، فليس هناك جسم جريمة، ولا وجه جناية، ليست هناك جريمة مادية تشهد بصدق الاتهامات، لا عبَّارة غارقة، ولا قاطرة محترقة، ولا انتخابات مزوَّرة، ولا أموال عامة مهدرة، وانظر إلى هذه التهمة الواردة بجريدة (الأهرام) 4/7/2009م، وهي أن أهدافهم ومهامهم "استنفار الأمة للدفاع عن دينها ومناصرة قضايا الأمة الإسلامية وتحرير إرادة الأمة من الهيمنة الأجنبية ومقاومة الانهيار القيمي"، وكذلك: "نشر قيم الإسلام وأحكامه وأعرافه وسلوكياته كمرجعية لحركة الفرد والمجتمع"، فلا تدري هل هذا الكلام مدح أم ذم؟!
إن الإنصاف والعدل اللذَين تنصلح بهما المجتمعات يقتضيان الوقوف إلى جانب المظلوم، مهما اختلفتا معه، والظلم هنا هو ظلم الاتهام بلا بينةٍ أو دليل، أو استباق التشهير قبل صدور نتائج التحقيقات.
وقد ساءني ظلم الاتهامات، ولكن الذي ساءني أكثر هو صمت أقلامٍ كثيرة من أصحاب الآراء الحرة الشريفة.. أقلام صمتت ليس عن تبرئة الإخوان، فليس ذلك هو المطلوب، وإنما صمتت عن كيل اتهاماتٍ وافتراءاتٍ مرسلة بغير دليل ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: من الآية 8).
-------------------