لم يكن لدينا أدنى شك بأن السيد فاروق القدومي يملك أوراقًا كثيرةً تستطيع قلب الطاولة على مَن يختطفون حركة "فتح" وقرارها، وسبق أن توجَّهنا بالنداء تلو النداء للسيد القدومي شخصيًّا، ولشرفاء وأحرار فتح، وفي أكثر من مناسبة، محذِّرين من حجم ومدى المؤامرة التي تُحاك للقضاء على حركة "فتح" عبر تدجينها ومسخها ومسح نضالاتها، وعبر تمكين أذناب الاحتلال من القرار الفتحاوي وصولاً إلى السيطرة على اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وهو ما اتضح جليًّا في الأيام الأخيرة عبر تحالف عباس- دحلان الذي لا يخفى على أحد.

 

بالأمس قرَّر أبو اللطف وبعد طول انتظار أن يخطو الخطوةَ المنتظرةَ؛ بالإفصاح عن بعض ما لديه من إدانات ضد فريق عباس- دحلان الذي يسعى جاهدًا لعزل كل مَن يعارضه داخل "فتح"، وبعد أن اختطف هذا الفريق قرار عقد المؤتمر السادس في بيت لحم تحت حراب وبإذن الاحتلال، ليُدخِل مَن يريد ويُقصِيَ من يريد، وليغيِّر أعضاء المؤتمر حسب المزاج والأهواء والولاء.

 

ما أعلنه السيد القدومي ليس بالمفاجأة من حيث المضمون، وليس بالغريب على هؤلاء الذين تحوَّلوا لوكلاء حصريِّين للمحتل، لكنه يكتسب أهميةً خاصةً، منها:

- أنه صدر من أعلى شخصية في الهرم السياسي الفتحاوي- أمين سر الحركة وأحد مؤسسيها.

- انتهاء سنوات العسل والغزل والسكوت والقبول بتهميش وتدمير "فتح".

- أنه احتوى على تفاصيل المخطط والمؤامرة بالتاريخ وبنصِّ المحضر وبالأسماء.

- أن توقيته يعني خلط الأوراق من جديدٍ فيما يتعلق بالمؤتمر السادس.

- أن الإعلان يعني المواجهة المباشرة مع التيار المختطف للحركة.

- أُقرنت الخطوة بفعلٍ واضحٍ، وهو دعوة اللجنة المركزية للانعقاد، ودعوة لاستقالة أو عزل عباس من جميع مناصبه.

- أنه يفتح الباب أمام العناصر والكوادر التي كانت تنتظر هذه الخطوة للتحرك.

- أنه يمثِّل اتهامًا مباشرًا باغتيال عرفات وما يعنيه ذلك من شبهةٍ جنائيةٍ تستحق- وعلى أقل تقدير- التحقيق فيها.

- كان موجَّهًا للفلسطينيين في كل مكان وليس الداخل فقط.

 

بعد الإعلان غير المسبوق بالأمس استطعنا رصد بعض الردود السريعة، نعرض منها ما يلي:

- تجاهلت وسائل الإعلام والمواقع المحسوبة على تيار عبَّاس- دحلان وحتى من تدَّعي الحيادية والاستقلالية؛ تجاهلت تمامًا الإعلان وكأنه لم يصدر، ولهذا دلالات مهمة تصبُّ في خشيةِ هؤلاء وأبواقهم من انتشار الفضيحة المدوية، ودليل آخر على عدم نزاهة أو مهنية مَن يدَّعون الاستقلالية وينشرون تصريحاتٍ لمن هبَّ ودبَّ ويتجاهلون إعلان الأمس.

- البعض الآخر كان مشككًا في دوافع الإعلان، ووضع تساؤلات منها، لماذا سكت أبو اللطف كل هذه المدة؟ ألا يعتبر ذلك مشاركةً في الجريمة؟، وغيرها من الاتهامات الجاهزة والمعدة، والتي تطلق ضد كل مَن يحاول التمسك بمواقفه الرافضة لاختطاف الحركة، اتهامات سمعناها ضد هاني الحسن وشفيق الحوت وحسام خضر وأحمد محيسن، وقد أجاب السيد القدومي على هذه الاتهامات والفرضيات في إعلانه.

- بعض ثالث يشكك في التوقيت، وأنه لخشية القدومي من فقدان مركزه في اللجنة المركزية، وبالتالي فإنه جاء لحساباتٍ شخصية وليست وطنية، ودون الدخول في تفاصيل ذلك يكفي أن نذكِّر بأن السيد القدومي كان أشدَّ معارضي عضوية المركزية بالتزكية بدلاً من الانتخاب؛ أي أنه لم يكن بحالٍ يخشى من فقدان عضويتها كما هو الحال مع عباس الذي اختطف قرار عقد المؤتمر في بيت لحم ليمرِّر ما يريد وليضمن عضويته المهددة.

- بعض آخر تساءل عن مصداقية المحضر الذي عرضه السيد القدومي، ونسمح لأنفسنا بالقول في هذا المجال بأن الشعب الفلسطيني برمَّته لا ينتظر تأكيدًا أو إثباتًا على تورُّط وكلاء الاحتلال وارتمائهم في أحضانه، ومضمون ما جاء ليس جديدًا أو مستغربًا أو مستبعدًا.

- الفصائل الفلسطينية الأخرى تعاملت مع الإعلان من باب الخبر الصحفي، دون تحديد مواقف واضحة، رغم أن الاتهامات الواردة تتعلق وتمس شخصياتٍ قياديةً في تلك التنظيمات، وهو أمرٌ غريبٌ في العرف السياسي.

 

اليوم يحتاج إعلان الأمس إلى تحركٍ فاعلٍ وجدّيٍّ من قِبَل شرفاء فتح الرافضين لهيمنة عباس- دحلان، ويحتاج إلى اصطفافٍ والتفافٍ لرفض تحويل الحركة إلى حزب السلطة كما صرَّح بذلك عباس، أو حركة من المرتزقة الذين تحركهم الأموال والرواتب مقابل الأخلاق والمبادئ، أو إلى مجموعة مشرذمة يتحكم بها جنرال أمريكي ليحوِّلها إلى عناصر "فلسطينية جديدة"، وبغض النظر عن توقيت ودوافع الإعلان، وبغض النظر عن التشكيك والتشويه، فإن حركة فتح اليوم أمام مفصلٍ تاريخي مهم.

 

أخيرًا فعلها أبو اللطف!، ونتمنى ألا يقف عند هذه النقطة، بل أن يستمر بقيادة حركته لتعود للصفِّ الوطني الذي يُراد لها، ليس فقط أن تخرج عنه، بل أن تواجهه وتقضي عليه.

 

على السيد القدومي أن يقود وألا ينتظر ردود الأفعال، عليه أن يسير بخطى ثابتة ليجمع أحرار وشرفاء فتح حوله، ولينقذ فتح من براثن عباس- دحلان.

-------------

* DrHamami@Hotmail.com