نشرت مقالي هنا في هذا "الموقع" في 6/7/2009م بعنوان (الدكتور القمني.. وجائزة الدولة، واعتبرت ما كتبته بلاغًا لمَن يهمه الأمر بسحب شرف هذه الجائزة- وقيمتها المالية (200 ألف جنيه)- منه، وبررت ذلك بأنه لا يجوز أن يُصرف مال عامة المسلمين إلا في مصلحة عامة حقيقية تعود عليهم جميعًا بالخير والنفع، ولا تصادم قيمهم ومعاييرهم وثوابتهم الدينية والأخلاقية، ولا تؤذي مشاعر الناس بهذه الفجاجة والتطاول والبذاءة.

 

وتتابعت الكتابات والاحتجاجات منذ الأسبوع الماضي، واشتعلت غيرة كثير من الكتاب والمحللين، على هذا التصرف "اللامسئول" من وزارة الثقافة ومجلسها للثقافة، وجاءت المداخلات من عامة المصريين وخاصتهم على كل ما ينشر عن موضوع "القمني" تؤكد أن التواطؤ قد بدا واضحًا؛ لتمرير منح هذه الجائزة لغير مستحقيها، وهو الدكتور القمني، الذي آل على نفسه، وعاهد شياطينه أن يناصب الإسلام العداء، وهو بذلك يحاول- عبثًا- أن يحجب نور الشمس، وهيهات!! أن يصل إلى شيء أو أن تتحقق أمنياته وآماله التي هي أمنيات وآمال سادته وكبرائه؛ من المستشرقين وأقباط المهجر وغير المهجر، ومن شراذم الشيوعية الغاربة، والماركسية المخزية، وهم الذين يلبسون اليوم أزياء العلمانية والليبرالية والتنوير، إلى غير ذلك من المصطلحات التي تتجمع أهدافها في ضرب قيم الإسلام وقطع الطريق على الصحوة الإسلامية التي من شأنها بإذن الله استعادة قيم الحق والعدل والحرية والمساواة، ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ (33)﴾ (التوبة).

 

ولقد استفزَّ خبر هذه الجائزة الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية السابق، وأبدى فضيلته غضبه الشديد أن تذهب أموال الدولة لهذا الشخص الذي يتطاول على الإسلام عقيدةً وحضارةً وسلوكًا، وذهب فضيلته إلى ضرورة سحب هذا الشرف منه؛ حيث لا يستحقه وليس أهلاً له.

 

ثم أصدرت "جبهة علماء الأزهر" بيانًا هاجمت فيه الجائزة، ومَن حصل عليها، والجهة التي أعطته إياها، وقال البيان (ما نشره القمني كفر بواح لا يحتمل تأويلاً)، ومع احترامنا لجبهة العلماء، إلا أننا قد لا نوافق على إصدار حكم الكفر أو عدمه على مثل هذا الخارج على إجماع الأمة، وما هو مستقر في مصادر الإسلام الصحيحة الثابتة، غير أن ذلك لا يمنعنا أن يشارك كل من يهمه أمر هذا الدين والعمل له، وإعلاء شأن الإسلام، وتحقيق تمكينه في واقع نفوس المسلمين وفي واقع الأرض، وفي واقع الكيان الدولي الذي غاب عنه الإسلام بسماحته وعدله، ورحمته، وفيضه العظيم؛ وذلك بفعل فاعل، وإجبار المسلمين بعدما تخلَّوْا عن مركز الصدارة، وابتعدوا عن أهلية القيادة بابتعادهم قليلاً أو كثيرًا عن عقيدتهم ودعوتهم، وفرطوا في التزامهم، وإصلاح شأنهم وتطبيق مبادئ الإسلام في واقع حياتهم.

 

إن ما يسعد "القمني" وكل مشايعيه أن نطلق حكم التكفير هنا وهناك؛ فنعطي هؤلاء مادة خصبة يملأون الدنيا صياحًا وعويلاً، ويُخرجوننا عن الهدف الرئيسي الذي نريده، وهو ضرورة أن يقف كل أهل الخير والحق ضد التصرف الطائش لوزارة الثقافة ولمجلسها الأعلى، ويجعلونه حملةً شديدةً ومؤثرةً، لسان حالها أنه لا يحق لأحد أن يتجاوز في كلامه أو كتابته خطوطًا حمراء تمس قيم الإسلام ومبادئه ورموزه، أو تتصادم مع مشاعر الأمة وآمالها، وتطعن في هويتها الإسلامية وشخصيتها المتميزة على مرِّ العصور والأزمان.

 

ويا ليت كانت هذه الجوائز والأموال من جيوب الوزير أو أعضاء اللجان الزائفة، وإنما الأدهى والأمرُّ أن تكون من أموال عامة المصريين مسلمين وغيرهم، وذلك من أعاجيب هذا الزمن الذي يوسَّد فيه الأمر لغير أهله!!.

 

ومن العجيب، أن يقول الأستاذ "نجيب ساويرس" في حوار له مع (الجمهورية): (لولا فاروق حسنى "وزير الثقافة" لما حصل القمني على جائزة الدولة التقديرية).

 

ونحن بدورنا نسأل: وهل هي أموال هذا الوزير أو ذاك؟ هل هي من جيبه الخاص أم إنها أموال عامة من خزانة الدولة التي دينها الرسمي "الإسلام"، و"الشريعة" لها الوضع الأسمى في الدستور؟!.

 

ثم هل نسي هؤلاء جميعًا ما أعلنه الرئيس "السادات" رحمه الله "أنه رئيس مسلم لدولة إسلامية؟"، وهل هذا الإعلان كان في وقته، أما الآن فقد تغيَّرت الأمور رأسًا على عقب، وأصبح هناك انقلاب على الدستور وعلى كل الثوابت والأصول؟!.

 

دولة الحزب الهاشمي المزعوم

قدَّم "القمني" من التأويلات والتفسيرات التاريخية المختلفة؛ وهي كلها روايات مزورة، وتنحو نحو التفسير الماركسي للتاريخ، وسبقه إليها أساتذة من المستشرقين والعلمانيين من أهل اليسار والشيوعيين، والذين يبيعون آخرتهم بدنيا غيرهم من أهل الإلحاد والشذوذ الفكري والعقيدي، وكل هؤلاء وغيرهم كثير إلى زوال وإلى مزبلة التاريخ، ولا يصح إلا الصحيح، وسيبقى الإسلام.

 

نقول: إنه أراد كما أراد غيره؛ التشكيك في رسالة الإسلام؛ ليوحي إلى القارئ أن رسالة الإسلام لم تكن نبوةً ووحيًا من السماء إنما تخطيط عبقري بشري من الهاشميين وحركة سياسية، قادها عبد المطلب بن هاشم جد الرسول الذي أعد حفيده للقيادة لتكوين دولة الحزب الهاشمي؟!!.

 

ويقول- وكذبٌ قوله-: إن ما حدث في بداية بزوغ الإسلام لم يكن وحيًا إنما مجرد تحرك سياسي وطموح وصراع على السلطة، وتنافس على الزعامة بين القبائل، وأن الإسلام الذي أسسه الهاشميون- حسب زعمه- وعبد المطلب بشكل أساسي؛ كان مجرد حيلة عربية لتحقيق مآرب قومية، وبسط السيطرة الهاشمية على قريش ومكة، وتوحيد العرب في قيادة واحدة، وأن فكرة التوحيد نبعت من دافع سياسي بشري بدلاً من تمزق القبائل بين آلهة متعددة.

 

ثم يستطرد في تخريفاته؛ فيقول: إن عبد المطلب الذي أسَّس بحنكته وقوة شخصيته الجناح الديني للحزب الهاشمي، وكان مرجعه (النموذج اليهودي الإسرائيلي) المتمثل في الدولة التي أنشأها النبي والملك داود!!؛ حيث اجتمع فيها المُلك والنبوة، وأن عبد المطلب مهَّد لتنصيب حفيده (محمد) كملكٍ على العرب من خلال عمليات مصاهرة معتمدة على أقاويل بعض الكهان.

 

وأن عبد المطلب– كما يدّعي– وهو قائد الحزب الهاشمي أراد على رأس دولته العربية الجديدة قائدًا ونبيًّا مثل داود، مُرّوج لقضية نبوة حفيده محمد!!، مستفيدًا من خبرات نقلها عن يهود المدينة.

 

ويصل به أقصى النزق والانفصام العقلي والنفسي، إلى أن يدعي أن "محمدًا"، وفَّرَ لنفسه الأمان المالي بالزواج من الأرملة الثرية خديجة بنت خويلد، بعد أن خدع والدها وغيَّبه عن الوعي بأن سقاه (الخمر)!! لانتزاع موافقته التي تنكَّر لها الوالد، بمجرد استيقاظه من تأثير الخمور حاول إبطال الزواج، وتظاهر ضد هذا الزواج في شوارع مكة.

 

وهذه الترهات جميعها لا تستحق الرد؛ حيث لا تثبت أمام التمحيص والتدقيق، والرد عليها قد يعطي قيمة للقمني نفسه وكتاباته المتهافتة؛ ولكن يكفي أن نعلم- على عجلٍ- أن دعوى الحزب الهاشمي ساقطة، وأنها أكذوبة، من عدة أمور:

1- أن أبا طالب (عم الرسول)؛ حينما مات رفض الإسلام؛ لأنه يريد الموت على دين عبد المطلب.

 

2- وأن عبد المطلب مات ومحمد في الثامنة من عمره.

 

3- وأن الرسالة لو كانت لتحقيق مجد قومي له أو لبني هاشم؛ لاستجاب في التو واللحظة لكبراء قومه، عندما عرضوا عليه الملك والجاه والسلطان والأبهة، وزواج أجمل نساء قريش؛ ولكنه أبى ورفض ذلك كله، وقال قولته المشهورة: "والله يا عمي، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".

 

وبعد.. فهل يتحرك الإمام الأكبر شيخ الأزهر، ومعه علماء الأزهر وأساتذته بما لهم من باعٍ طويلٍ في الدفاع عن الإسلام، والرد على أباطيل خصومه، وهل لهم كلمة في أحقية المارقين والشاذين عن خط الإسلام الصحيح، في أن توزع عليهم المنح والعطايا والأموال والألقاب لمجرد الهجوم الضاري على الإسلام؟!! قولوها كلمة يرحمكم الله.

 

وهل يستجيب الدكتور الفاضل على جمعة مفتي مصر لكل النداءات، وعلى رأسها نداء رئيس تحرير جريدة (المصريون) الإلكترونية، ويقول رأيه وفتواه في هذه القضية؟!!.

 

وعمومًا.. فلن يهدأ بال كل الغيورين على دينهم، الحريصين على إسلامهم إلا أن تسحب هذه الجائزة من هذا الرجل المصادم لدينه، المفارق لإجماع قومه، المعادي لأمته.. وإنا لمنتظرون.