جاك سترو وزير العدل البريطاني، وأحد أبرز رجالات توني بلير رئيس الوزراء السابق الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في حروبها ضد العراق وأفغانستان، يستعد لإجراء تعديلات على درجةٍ كبيرةٍ من الخطورة تتمثل في إلغاء القوانين التي تسمح بمحاكمة مجرمي الحرب أثناء مرورهم في الأراضي البريطانية، واقتصار هذه القوانين على المواطنين أو المقيمين فقط في بريطانيا.
الهدف من هذا التعديل هو عدم السماح لمنظمات حقوق الإنسان برفع قضايا ضد مسئولين وقادة عسكريين صهاينة متورطين في ارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين واللبنانيين أثناء العدوان الصهيوني على قطاع غزة في مطلع هذا العام، وجنوب لبنان في صيف عام 2006م.
هذه التعديلات القانونية المقرر تمريرها عبر البرلمان في الخريف المقبل تشكل تناقضًا رئيسيًّا مع بنود القانون الدولي الذي يطالب بمحاكمة مجرمي الحرب، ومرتكبي جرائم ضد الإنسانية في أي مكانٍ يوجدون فيه، كما أنها تُشكِّل إهانةً لقيم العدالة الغربية، ومنظمات حقوق الإنسان.
محاكمة مجرمي الحرب المقيمين في بريطانيا أمر جيد دون أدنى شك، سواء كان هؤلاء من المواطنين البريطانيين أو المقيمين في بريطانيا وفق تشريعات اللجوء السياسي، ولكن بريطانيا التي شاركت بوضع القانون الدولي والمعاهدات الدولية بشأن مجرمي الحرب لمطاردة النازيين بسبب جرائمهم في حق اليهود، مطالبة بالتمسك بهذه القوانين، بل وتشديدها حتى تشمل من يرتكبون جرائم ضد العرب والمسلمين، بل وكل الجنسيات والأعراق الأخرى، حتى يعرف هؤلاء أنه لا مكان آمنًا لهم في العالم الحر.
فبسبب هذه القوانين البريطانية الصارمة تجنب الكثير من الجنرالات الصهاينة التوقف في بريطانيا خشيةَ أن يواجهوا الاعتقال والمثول أمام المحاكم بسبب الجرائم التي ارتكبوها في قانا بجنوب لبنان وقطاع غزة في جنوب فلسطين، وراح ضحيتها آلاف الأبرياء.
يبدو أن اللوبي الصهيوني نجح في الضغط على الحكومة العمالية البريطانية لتغيير القوانين هذه، وبما يسمح لمجرمي الحرب الصهاينة بزيارة بريطانيا أو المرور عبر أراضيها دون أي خوفٍ أو قلق، تمامًا مثلما نجح في فرض تعديلات مماثلة في دول أخرى مثل أسبانيا.
وهكذا بات واضحًا أن القوانين لا تُعدَّل في بريطانيا أو أوروبا إلا لأمرين أساسيين، الأول هو تشديد الخناق على المسلمين واستهدافهم تحت ستار مكافحة الإرهاب، أو لتوفير الحماية لمجرمي الحرب الصهاينة، ومنع أي محاكمات قانونية لهم بسبب المجازر التي ارتكبوها.
فقوانين الطوارئ التي تبيح اعتقال أي شخصٍ ترى الأجهزة الأمنية أنه يهدد الأمن القومي البريطاني، دون محاكمات لأطول فترة ممكنة، لم تظهر إلا بعد إحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبهدف تطبيقها على شخصيات إسلامية، واستخدامها كعنصر تهديد وإرهاب لأبناء الجالية المسلمة، وهناك العشرات محتجزون في السجون البريطانية دون محاكمات.
أننا نطالب المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان في بريطانيا بإطلاق حملة لمعارضة هذه التعديلات، والحيلولة دون إقرارها من قِبل البرلمان البريطاني لما تنطوي عليه من تشويه لسمعة بريطانيا وقوانينها وديمقراطيتها واحترامها للقانون الدولي.
مجرمو الحرب، ومرتكبو جرائم ضد الإنسانية من أحفاد ضحايا المحرقة يجب أن لا يفلتوا من العدالة، سواء في بريطانيا أو غيرها من الدول الأوروبية، والشيء نفسه يُقال أيضًا عن مجرمي الحرب البريطانيين الذين تسببوا في مقتل مليون إنسان في حرب العراق الأخيرة.
--------------
* القدس العربي في 11/07/2009م