البداية من التحرش الفكري
د. حسن الحيوان

ضعف التوجيه الديني في المدارس ووسائل الإعلام في مناخ الخلط والازدواج الحضاري بين الإسلام والعلمانية؛ بحيث لا تريد الدوله الحسم بين التيارين لاستهداف ضعف كل التيارات؛ حتى تحتفظ الدولة بالسلطة مع التركيز على سحق التيار الإسلامي لأنه يمثل الخيار الشعبي، وصولاً إلى تجفيف منابع الفكر والثقافة الإسلامية في حد ذاتها تعليميًّا ورسميًّا ومجتمعيًّا وإعلاميًّا، مع وصم التيار الإسلامي بالإرهاب الذي يحاول الوصول إلى الحكم بالحق الإلهي (أمر لا أصل له إسلاميًّا ولا مثيل له تاريخيًّا)، ثم توظيف إمكانات الدولة لفصل الدين عن مجالات الحياة؛ الأمر الذي يمثِّل جذور التحرش لأنه لا بد أن يؤدي إلى ضياع الهوية والانتماء الوطني، وبالتالي يؤدي لشتى أنواع التحرش المتتابعة.
التحرش السياسي.. الاستبداد
بكبت الحريات العامة وانعدام الديمقراطية في كل الانتخابات؛ وصولاً إلى التعديلات الدستورية الأخيرة؛ حيث التصادم والانفصال التام بين الدولة والمجتمع؛ مما يؤدي لتفكك الجماعة السياسية الوطنية التي تمثل نواة تكوين نظام الحكم المسؤل أمام المجتمع عن تحقيق التقدم والتنمية.
التحرش الاقتصادي.. الفساد
تسلط الثروة على السلطة وازدياد الاستقطاب بين قلة تملك كل شيء وأغلبية تقريبًا لا تملك شيئًا، وبالتالي زيادة معدلات الفقر والبطالة التي تنهش في جذور المجتمع وتؤدي إلى انتشار أنواع التحرش الظاهرة حاليًّا على الصعيد المصري.
التحرش الأمني
الاستبداد والفساد لا بد لهما من قبضة حديدية لحمايته من الشعب، أما أمن المواطن وممتلكاته وكرامته فأمرٌ شبه معدوم لصالح الحفاظ على أمن نظام الحكم ورموزه، مهما أدَّى ذلك إلى معاناة المواطنين.
التحرش في التعليم
الادعاء بمجانية التعليم أدى إلى انعدام التعليم وإطلاق العنان للتعليم الخاص في شتى المراحل الدراسية والجامعية التابعة لرأس المال الوطني وغير الوطني والموجه من شتَّى دول العالم، مثل الجامعة الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية و... مع تدريس اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، بدايةً من مراحل الحضانة والابتدائي (لا مثيل لذلك في العالم) ودعم ذلك ثقافيًّا في مقابل اللغة العربية، فضلاً عن تدريس مواد العلوم والرياضيات، بدايةً من الابتدائي باللغة الأجنبية، كل ذلك يمثِّل ركيزةً أساسيةً للتحرش بعقول الأجيال القادمة وإضعاف الهوية الثقافية والانتماء الوطني.
التحرش الإعلامي
دعم شخصيات لمجرد أنها تابعه للدولة, والتي تعمل من خلال توظيف إمكانات الدولة لفرض مشروعات لا تؤدي إلى أي ثمرة للمجتمع، مثل تمكين المرأة وتحديد النسل والتشكيك في جدوى المقاومة الإسلامية في فلسطين؛ مما يؤدي إلى التشويش العام على الأفراد والمجتمع؛ لدرجة أننا لا نستطيع أن نتوافق على أهم القضايا البدهية؛ مثل تحديد العدو الإستراتيجي لمصر، هل هو "إسرائيل" أم من يكون؟ هل هناك تداعيات للتحرش بالعقول أوضح وأخطر من ذلك؟!
لا بد أن يؤدي كل ذلك أيضًا إلى أنواع التحرش البسيطة الظاهرة في الشارع والمجتمع مثل التحرش الجنسي؛ فالقضية أكبر بكثير من مجرد إلقاء اللوم على السيدات، حتى إن كنَّ يرتدين الملابس المثيرة (وفقًا للدين والدستور.. أمر لا يعطي مبررًا للرجال بالتحرش)، وكذلك القضية أكبر بكثير من إلقاء اللوم على الشباب الذي يعاني من الفقر والبطالة.. أضف إلى ذلك التحرش الأزلي بين سائق التاكسي والراكب؛ لعدم قيام الدولة بتقنين تعريفة التاكسي (لا مثيل عالميًّا)، وصولاً إلى التحرش بالأطفال الناتج من مشكلة أطفال الشوارع التي تمثِّل الجزء الظاهر من جبل الثلج الغاطس الذي يضرب جذور المجتمع في الصميم دفعًا لمزيد من التحرش.
مجالات التحرش متتابعة ومتداخلة بل مترابطة ومتزايدة, لا يمكن الفصل بينها، وبالتالي لا يمكن بحث أو معالجة أي منها بمعزل عن بقية المجالات, فالقضية شاملة, قضية الدولة والمجتمع، وحيث إننا لا نستطيع حاليًّا أن نعوِّل على الدولة فعلى كل منا أن يستشعر المسئولية كأفراد ومجتمع.
----------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار