لو أردنا أن نصف هذا العهد الذي يحكمنا فيه "الحزب الوطني الديمقراطي" (!!!!!!) صاحب الأغلبية المدعاة... لو أردنا أن نصفه لقلنا إنه عهد الفساد... المركب... الممتد... الشامل... الذي جعل ويجعل وطننا يتقدم إلى الخلف، ويعلو إلى أسفل.

 

وجاء في معاجم اللغة "فسد اللحم أو اللبن أو نحوهما أي أنتن وعطب (أي صار نتنًا ومعطوبًا) وفسدت الأمور: اضطربت وأدركها الخلل... قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 22).

 

وما ذكرناه من هذه البيانات التراثية يقطع بأن الفساد هو الخلل والاضطراب ومخالفة الحق على حساب الدين والقيم والوطن حرصًا على الانتفاع المنهوم، ونحن نعيش في وطننا المنهوب المقهور المخروس في فيض من اختلال المعايير يجمعها كلمة الفساد: فالنهب شطارة، والأمانة غباء وتخلف، والرشوة إكرامية وإنسانية، وعفة النفس جناية على النفس، والكذب براعة، والصدق خيابة، والعدوان على الدين وقيمه تجديد وشجاعة، والحرص على الدين رجعية وظلامية، والغرور اعتزاز بالنفس، والتواضع ضعة وسقوط، والتزوير في الانتخابات وغيرها حرص على مصلحة الوطن في مواجهة الظالمين أعداء الأمة وأعداء النظام.

 

فتهاوتْ خُطى الشريف المُعنَّى              نازفَ القلب ماله من نصير

كيف نمضي والزيفُ دين وطبعٌ             والنفاقُ الخسيس جسْرُ العبور؟

والأصيلُ الأصيلُ يحيا غريبًا                 بحقوق الإنسان غير جدير

والعدوَ الغريبُ فينا سعيدٌ                    ومحاطٌ بالحبِّ.. والتقدير

فاختلالُ المعيارِ أضحى صوابًا               والصوابُ التمامُ شر الشرور

 

والمهم عند حكامنا هو الاعتماد على أهل الولاء للنظام وللحزن الوطني، بصرف النظر عن الخبرة والعلم والخلق الرفيع، بل إن هذه القيم تقف معوقًا في طريق صاحبها.

 

ومهما دبجت من مقالات فلن أستطيع أن آتي على كل مظاهر الفساد الذي استشرى ويضرب أطنابه في كل مصلحة ومكان، وعلى سبيل المثال أصبحت الرشوة أصلاً من أصول التعامل، حتى إن أحد الأساتذة الكبار أخبرني بما يجعل النفس تذوب أسى، وهو أن التعيين في الوزارات أصبح له ثمن.. تسعيرة، فمن يريد أن يلحق ابنه بإحدى هذه الوزارات فالتسعيرة تبدأ من 25 ألف جنيه، وترتفع إلى 40 ألف جنيه تبعًا للمرتب الممنوح، وفي مجال الحديث عن الرشوة قص على الأستاذ (ز. ح. ن) القصة الآتية:

أردت أن أقوم بتسجيل عقار امتلكته، وفي خطوة من خطوات الإجراءات أشار عليَّ زميلي بالآتي:

- إذا كنت تريد أن تنجز عملك فعليك بأن تكبر دماغك.

- لم أفهم.

- يعني عليك "بالتظريف".

- ما زلت أجهل معنى ما تقول!.

 

- يعني اذهب إلى مكتب فلان، وستجد دُرجَه مفتوحًا "نصف فتحة"، فضع في الدرج ورقة بخمسين جنيهًا.

 

- لكن هذه رشوة!!! وأنا لم أجرب هذا طيلة حياتي.

 

- أنت حر.. ما يستغرق ثلاثة أشهر، سينجزه فلان- صاحب الدرج المفتوح- في يوم واحد.
يقول الأستاذ (ز. ح. ن): ووضعت في جيبي عدة ورقات كل منها بعشرين جنيهًا، وذهبت إلى مكتب صاحبنا وأنا أرتعش، فهذه أول مرة أستعمل فيها هذا الأسلوب، وللحق استقبلني صاحبنا استقبالاً طيبًا، وضغط على زر الجرس وقال للساعي لا تُدخل أحدًا، "فللبيه عمل مهمٌّ جدًّا"، ووقفت وألقيت في درجه ورقتين كل منهما من ذات العشرين جنيهًا، فنظر إليهما نظرةً خاطفةً وقال في شيء من حدة:

- لا.. لا..  يا بيه.

فاعتقدت أنه يعترض على مبدأ الرشوة، ولم ينقذني من ارتعاشي إلا حينما قال على الفور:

- لا.. إحنا عاوزين ورقة كمان علشان عثمان، وهو الموظف الذي سينجز إجراءاتك على الفور.

 

وضعت الورقة في يدي، واستدعى سيادته عثمان وقال له:

- يا عثمان.. تاخد ورق البيه معاك البيت وتسهر فيه طول الليل، حتى تنتهي منه وتحضره لي صباحًا.

 

وقبل أن يغادر عثمان الحجرة دسست في يده الورقة العشرينية، فقال على الفور: يا بيه إحنا نخدمك بعنينا.

 

وهذه قصة تتكرر كل يوم عشرات المرات، بل مئات من المرات على مستوى مصر المطحونة، ورشاوى البنوك التي أضاعت على مصر مليارات من الجنيهات.. أظهر وأشهر من أن نسوق بعض حالاتها.

 

والتعليم يا سادة في انحدار دائم لا يتوقف.. جامعاتنا التي كانت من الجامعات الأولى في العالم؛ أصبحت لا تدخل في نطاق الــ500 جامعة في العالم، وتعليم التربية والتعليم أصبح بلا تربية وبلا تعليم، وأصبحت الدروس الخصوصية هي الأصل، أما المدرسة فهي الاستثناء، والآباء يحرصون على "الحجز" لأبنائهم عند الأساتذة قبل بداية العام بأشهر.

 

وقد كتبت من عدة أشهر مقالاً يغطي هذا الموضوع بعنوان "من يساعدني على الحجز؟" واقترحت فيه اقتراحًا قد يدعو إلى السخرية، مؤداه: أن تغلق الدولة المدارس وتوزِّع الطلاب على بيوت الأساتذه أخذًا بالواقع الذي يقول "إن الدروس الخصوصية أصبحت هي الأصل والمدرسة هي الاستثناء"، والانحدار قائم لا يتوقف؛ فالأمس خير من اليوم، واليوم خير من الغد، وهذا يذكِّرني بقول الشاعر:

رب يوم بكيتُ فيه فلما           صرت في غيره بكيتُ عليهِ

والفساد في صورة الخلل المريع أصاب الأجهزة الإدارية مما يجني على مصر ويعطل مصالح المواطنين، وقد كتبت مقالا من قبل نشرته "المصريون" بعنوان: "ذبحوا الأرض.. وأعدموا البحيرة".

 

ويبقى الفساد الأكبر في تزوير الانتخابات، وللحق رأينا في عهود الثورة كيف ينجح الرئيس بنسبة 99.999%، وقد قرأت لأحد كبار المنافقين مقالاً يقول فيه: "ومن عجب أن يكون في مصر خونةٌ حتى لو مثلوا واحدًا في الألف".

 

ومن مظاهر الفساد الاستسلام لبطل قدير اسمه "الماس الكهربائي" الذي يقال إنه سبب النيران التي التهمت مجلس الشورى وقدِّرت الخسائر بـ45 مليون جنيه، وعلى الفور بشَّرنا الرئيس مبارك بأن الشعب لن يتحمَّل منها شيئًا، والحكومة ستتحمَّل كلَّ هذا المبلغ، وكأن الحكومة تسحب النقود من تحت بلاطة مجهولة، لا من جيوب الناس وأرزاق أولادهم، وتكرر الماس الكهربائي في عدد كبير من الأسواق والمباني والمسارح، وهذا الماس الكهربائي فيه متنفس للمجرمين، وهم الفاعلون الأصليون، وأقترح على الدولة أن تقيم تمثالاً فنيًّا رائعًا للبطل المظلوم "الماس الكهربائي".

 

أما القرارات العشوائية غير المدروسة فحدِّث عنها ولا حرج، ومن أشهرها ما سمِّي بالصكوك أو الملكية الشعبية، ويقال إنه اختراع "جمالي مباركي" أمر الوزير محيي الدين بتنفيذه والترويج له.

 

وحتى لا يطولَ بنا المسار نُلقي الضوء على المحليات التي مُنِعَ الإخوان من مجرد الترشيح لها، واحتلها نشامى الحزب الوطني، وبهم ساءت الأحوال وتخلَّفت القرى والمدن، وكثر النهب والسرقات.

 

ولا أنسى أنني زرت بلدتي "المنزلة دقهلية" بشمال دلتا النيل، فعجزت عن أن أوقف سيارتي أمام بيتي؛ لأن اللصوص سرقوا عشرين من غطيان بالوعات المجاري، وقد تصغر هذه بجانب سرقة 50 كيلو من قضبان القطار في مشروع أبو طرطور الذي خسرت فيه الدولة 11 مليار جنيه.

 

وسرقة القضبان وتوابعها من إشارات وكابلات التليفونات الأرضية وشبابيك القطارات.. وغيرها؛ أصبحت ظاهرة مطردة، ويترتب عليها خسارة لا تقل عن150 مليون جنيه (أخبار اليوم- 27/6/2009م).

 

وكان رجال الحزب الوطني يدافعون بشراسة عن أعضاء المحليات وحسن اختيارهم؛ إلى أن فضحهم زكريا عزمي- رجل الحزب الوطني- إذ أطلق صيحته المشهورة في مجلس الشعب من عدة سنوات "إن الفساد في المحليات وصل إلى الركب" (جمع ركبة).

 

وما ذكره إجمالاً فصله كاتب حر هو فتحي محمود فكتب يقول: استبشر الكثيرون بصيحة زكريا عزمي بأن هذه الآفة المستشرية في المحليات، وخاصةً فيما يتعلق بتراخيص البناء والهدم والتنكيس، في طريقها إلى الزوال، وأن الحكومة ستتخذ إجراءاتٍ فاعلةً للقضاء على الفساد في الوحدات المحلية.

 

لكنَّ ما حدث هو العكس، فقد انتشر الفساد بشكل ملحوظ في الإدارة المحلية، وزاد البناء على الأراضي الزراعية، وظهرت الأبراج السكنية الضخمة في الحواري والأزقَّة برغم أنف قانون تنظيم أعمال البناء.

 

وفي قلب العاصمة القاهرة عدة وقائع أعلمها تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ ففي محطة منطقة باب اللوق واحدة من العمائر التاريخية التي ينطبق عليها مشروع التنسيق الحضاري في شارع الفلكي صدر لها قرار تنكيس عند وقوع زلزال 1992م لم ينفذ فعليًّا حتى الآن!.

 

وعلى كورنيش المعادي تتحدَّى الأبراج العشوائية التي أقيمت في شوارع لا يزيد عرضها على 10 أمتار جميعَ القوانين، خاصةً في المنطقة التابعة لمحافظة القاهرة، والتي تمتد حتى مبنى المحكمة الدستورية؛ حيث تظهر مئات الأبراج العشوائية دون أي ضوابط قانونية.

 

وفي قلب منطقة دار السلام التي تعدُّ من أكبر مناطق الكثافة السكانية في القاهرة؛ قام صاحب سلسلة محلات للكشري بتحويل أحد المنازل إلى مطبخ كبير لإعداد مستلزمات الكشري يعمل على مدى 24 ساعة، بدون أي ترخيص من الحي أو البيئة، وبالمخالفة لكل القواعد الصحية، دون أن يتحرك أي مسئول بحي دار السلام، برغم عشرات الشكاوى التي تقدَّم بها الأهالي.. إلخ- (الأهرام- الثلاثاء- 23/6/2009م).

 

تنبيه مهم

ما قدمته آنفًا يعدُّ قليلاً جدًّا من كثير جدًّا من مظاهر الفساد في مصر المطحونة، وقد يكون لنا- بمشيئة الله- لقاء آخر، وربما لقاءات، نقدم فيها مظاهر أخرى.

----------

*   gkomeha@gmail.com