تسارعت الأحداث الأخيرة منذرةً بأخطار جسيمة مما يزيد الوضع العام في مصر تأزيمًا وتعقيدًا، تلاحقت الحملات القمعية التي تشنُّها الأجهزة الأمنية مستهدفةً قيادات العمل الإسلامي من رجال الإخوان المسلمين "لقد طالت هذه الاعتقالات مجموعة من الشرفاء من أبناء مصر المشهود لهم بالنزاهة والطهارة والعفة، ليس فيهم من تآمر على بلاده وكذب على شعبه.. ليس فيهم من احتكر سلعة أو قتل مصريًّا في عبَّارة أو قطار.. ليس فيهم من ارتشى وأفسد، ليس فيهم تاجر مخدرات أو تأشيرات أو هارب بالقروض، بل جميعهم رجال يثِق فيهم شعبهم، ويحوطهم بالحب والاحترام والتقدير، لهم إسهامات كبيرة ونجاحات عديدة ليس على المستوى الداخلي فحسب، بل على مستوى العربي والإسلامي، وقد شهدت بذلك الهيئات والمنتظمات العربية والدولية.
وتمادت الحكومة المصرية من خلال أجهزة الأمن في تحديها السافر للدستور المصري والحقوق والحريات العامة، فبدلاً من أن تصحِّح أخطاءها الجسيمة وتتجاوب مع أحكام القضاء المصري الذي قضى بالإفراج الفوري عن قيادات الإخوان المسلمين في القضية الأخيرة (محكمة جنايات شمال القاهرة الدائرة 4 بتاريخ السبت 28/6/2009م) إذا بها تصرُّ على المضيِّ والاستمرار على نهج انتهاك الدستور، والتعدي على حقوق المواطنين الأبرياء، الذين أنصفهم القضاء وقضى بالإفراج الفوري عنهم.
لقد كان رد الفعل من قبل أجهزة الأمن سريعًا جدًّا، وكأنها كانت تدرك أن محكمة الجنايات ستفرج عن مجموعة الإخوان الـ13 فبادرت قبل النطق بقرار المحكمة بساعات قليلة واعتقلت الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح وإخوانه وضمَّتهم إلى ذات القضية التي قُضي فيها بالإفراج.
وتابعت الداخلية سيرها الظالم ليُصدر وزير الداخلية قرارًا باعتقال المفرج عنهم من محكمة الجنايات، دون اعتبار لحجية الأحكام القضائية وقدسيتها؛ لتؤكد من جديد أننا نعيش أزهى عصور البلطجة الحكومية، وليس هذا بجديد على حكومة الحزب الوطني التي أدمنت الظلم والاستبداد وانتهاك الدستور وتجاهل أحكام القضاء وتوهين سلطة القضاء والمس باستقلالها ونزاهتها.
وأحذر- كما يحذر معي كل الغيورين على مصر- من أن هذا النهج المعوجّ من شأنه أن يصيب البلاد بالفوضى وعدم الاستقرار وشيوع الفتن.
والسؤال الذي يطرح نفسه علينا عقب كل حملة اعتقالات في صفوف الإخوان: ما تأثيرها في الدعوة والشعب؟!
أحب التأكيد على عدة أمور مهمة:
أولها: أنَّ هذه الاعتقالات لن تؤثر في مسيرة العمل الإخواني والإصلاحي، ولن تصرفهم عن رسالتهم، ولن تُثني عزيمتهم، بل هي محطة من محطات تقوية العمل، وتدفع الجميع إلى مواصلة البذل والعطاء والتضحية والفداء، فليس الإخوان من تفرِّقهم عصا الباطل، أو ترهبهم سطوة الظالم أو يشتِّتهم بطش الغاصب، بل هم كما قيل عنهم: "عُدةٌ في الشدائد، وعونٌ في المصائب، وزينةٌ في الأفراح والمباهج، يكثرون عند الفزع، ويقلون عند الطمع، يزدحمون في المغارم، وينصرفون عند المغانم، جنود فكرة وعقيدة وليسوا تُباع مغنم أو جاه".
ثانيها: أن اعتياد أجهزة الأمن في الفترة الأخيرة على الاعتداء على المواطنين وانتهاك حقوقهم الإنسانية بصورة قاسية دون خوف من ملاحقة أو محاسبة؛ هو أمرٌ يُنذر بالخطر الداهم ويقوِّض شرعية الدولة والنظام، ويفقد النظام شرعيته الدستورية، وهذا الأمر يستدعي تحركًا إيجابيًّا من جميع الشرفاء في مصر لاسترداد الشرعية الدستورية والحفاظ على مقوِّماتها الأساسية، وأنَّ هذه القضية هي قضية المجتمع المصري كله بكافة فصائله السياسية والاجتماعية، وليست قضية الإخوان المسلمين وحدهم.
لقد ربط البعض- ولهم حقٌّ في ذلك- بين الاعتقالات الأخيرة والمفاوضات الجارية الآن على الساحة الفلسطينية بين حماس وفتح برعاية مصرية، وأن هذه الحملة تستهدف الضغط على حماس للقبول بشروط فتح وأبو مازن، ومن ثمَّ تصفية القضية الفلسطينية.
ويرى آخرون أن الحملة تستهدف التسريع بتنفيذ مشروع التوريث وإرباك الإخوان خلال فترة التنفيذ، وهذا أمرٌ غير مستبعد في ظل الحالة الضبابية التي تغلِّف المشهد المصري وتسيطر عليه.
وأيًّا ما كانت الأسباب والدوافع فقضية الحريات ومستقبل الحكم في مصر والخروج بالبلاد من الوضع المتأزم وتحقيق النهضة الشاملة؛ تستحق من الجميع أن يكون صفًّا واحدًا، وكذلك الحال بالنسبة لقضية فلسطين.
ثالثها: ينبغي للعقلاء الحريصين على مصر البلاد والعباد؛ أن يكون لهم صوت مسموع وتحرُّك إيجابي فعال، ولا يكتفوا بالتعاطف، فالتعاطف وحده لا يكفي في هذه القضية، فواجب عليهم أن يتحركوا لإنصاف المظلومين وردع الظالمين ومحاسبتهم، وردّ الحقوق إلى أهلها، ولن ينقص من هيبة النظام أن يُعمل صحيح القانون، وينصف أصحاب الحقوق، ويعلن استمرارية دولة سيادة القانون؛ حيث إنَّ الأوضاع في الداخل والخارج ملتهبة وتستدعي تغليب صوت العقل وإعلاء الشرعية الدستورية وسيادة القانون.
وأخيرًا.. أعتقد ويعتقد معي الكثيرون أن هذه الحملات لا تنال من ثقة الشعب المصري في قيادات الإخوان المسلمين، بل تزداد هذه الثقة مع زيادة ثباتهم على مبادئهم، وقد ظهر ذلك جليًّا في أحدث استطلاع للرأي أجراه أحد المراكز البحثية الأمريكية بأن 69% من الشعب المصري يرون أن أفكار الإخوان المسلمين إيجابية، وأنهم ديمقراطيون، وهذا ما نلمسه بوضوح من خلال تعايشنا واندماجنا كنواب للشعب المصري، نسمعه ونراه، ونحمد الله تعالى على ذلك.
--------
* نائب في مجلس الشعب المصري وعضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.