تتجه الأنظار بتركيا حاليًا نحو رئيس الجمهورية عبد الله جول؛ بشأن موقفه من القانون المعروض عليه وسبق أن تقدمت به حكومة العدالة والتنمية وصدقت عليه الأغلبية البرلمانية في الأسبوع الماضي؛ حيث يسمح بمحاكمة العسكريين أمام القضاء الطبيعي، في وقت يحاكم فيه القضاء المدني عددًا من قادة الجيش السابقين وعددًا آخر من المدنيين المتهمين بعضوية أو قيادة تنظيم أرجاناكون الانقلابي المتهم بالقيام بعمليات قتل وإثارة الاضطرابات والقلاقل، وبالتخطيط لإثارة قلق ضد حكومة حزب العدالة والتنمية.

 

وجاء في بيان إيضاحي مرسل للرئاسة من هيئة أركان الجيش لحثها على عدم التصديق على التعديل القانوني- لمحاكمة العسكريين أمام القاضي الطبيعي المدني- أن "محاكمة العسكريين أمام المحاكم المدنية متعارض مع الدستور ويعد خطوة نحو التصادم بين مؤسسات الدولة"، لكن طيب أردوغان رئيس الوزراء قال في كلمة لجماهير الحزب بمحافظة طرابزون يوم 5/7/2009م إن الحكومة لن تتراجع عن مواجهة العصابات.

 

وقال موجهًا كلامه لدنيز بايقال زعيم المعارضة البرلمانية المعترض وحزبه على قانون محاكمة العسكريين أمام القضاء المدني: "لا تسر سياسيًّا على حساب العسكر ونحن لسنا بحاجة لثقتك، وعليك تذكر كيف أن شعبنا لم يحدث يومًا أن أعطى لحزبك الحكم منفردًا، ولست أدري كيف لا تفهمون هذه الإشارة في كون الشعب يرفضكم، واليوم فهمنا أكثر لماذا تدعو دائمًا لرفع الحصانة البرلمانية عن الأعضاء لأنكم تريدون المزيد من الاضطرابات وخلق القلاقل في البلاد".

 

خطوة قانونية وديمقراطية لازمة

التعديل القانوني المؤيد من طرف قطاعات واسعة تبغي الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والمعترض عليه من الحزب الجمهوري والتيار الكمالي العلماني بحجة أنه يخالف الدستور، يقول عنه الدكتور أرجون أوزبودون (أستاذ القانون الدستوري) إنه من الخطأ رفض وانتقاد التعديل القانوني دون قراءته والاطلاع عليه خصوصًا وأن أصله ومضمونه متناسب مع الدستور.

 

أما الدكتور محمد طورخان (أستاذ القانون الدستوري) فيرى أن المادة 90/ دستور تؤكد ضرورة توافق القوانين مع الاتفاقيات الدولية، وإذا كانت تركيا تريد التخلص من الانقلابات العسكرية عليها قبول هذا التعديل القانوني.

 

وتؤكد الدكتورة سراب يازجي أن التعديل يوحد منظومة القضاء مع مفهوم الدولة الحقوقية الديمقراطية، وإلغاء نص المادة 15/ دستور مسألة معنوية تقف حائلة أمام أي محاولة لمن يريد الانقلاب على الحياة المدنية الديمقراطية، ومعارضة هذه التعديلات تعبر عن عدم الصدق والجدية، وسبق لي أن قلت إن دنيز بايقال ليس صادقًا في طرحه طلب إلغاء نص المادة 15/ دستور.

 

ويقول الدكتور شرف مالكوطش (أستاذ القانون) إن التعديلات تتعلق بمن تجاوز المهام والوظائف العسكرية وليس محاكمة الجيش، والتعديل يؤكد سيادة القانون، وأعتقد أن رئيس الجمهورية سيصدق على التعديل القانوني رغم وجود من يمارس ضغوطًا عليه.

 

ترسيخ الدولة الحقوقية

على صعيد نقابات العمال وموقفها من التعديل القانوني طالب سالم أوصلو رئيس نقابة هاق- إيش العمالية رئيسَ الجمهورية بالتصديق على التعديل القانوني، خصوصًا وأنه عاش فترات الانقلابات العسكرية السابقة ويدرك المعاناة والبدل الثقيل الذي دفعته تركيا، وإذا كان هناك من يقف ضد الديمقراطية والإرادة الوطنية يجب محاكمته مدنيًّا مثلما يدعو أحمد جوندوغدو رئيس نقابة الموظفين بمراعاة "الدولة الحقوقية"؛ بحيث لا تكون مجرد قول والتعديل يقوي استقلالية القضاء.

 

ولم يتضح بعد موقف اتحاد العمال التركي؛ حيث يعيش دعا لإضراب بسبب الخلاف مع الحكومة حول نسبة الزيادة المقررة في المرتبات عن النصف الثاني لهذا العام، والتي حددتها الحكومة بـ5.4%.

 

محمد كاجيجيلر وزير الدولة الأسبق (الوطن الأم) يرى في التعديل توافقًا مع أوضاع الاتحاد الأوروبي، ومن الصحيح محاكمة محاولات الانقلاب، وبما أن القانون يشترط الإذن لمحاكمة موظف الدولة يجب أن يكون نفس الأمر للعسكريين، وفي حالة الرفض تكون المحكمة الإدارية هي الفيصل.

 

ويطالب محمد ألقاطميش رئيس لجنة حقوق الإنسان البرلمانية الأسبق بتصديق الرئاسة على التعديل القانوني؛ لأنها خطوة ضرورية تأخرت، وكل من قام بانقلاب أو وجَّه تهديدات للحكومات المدنية ولم يحاكم يعني استمرار تركيا في التعرض للانقلابات.

 

وبينما أيدت جمعية موصياد لرجال الأعمال المستقلين الأتراك التعديل القانوني على أساس أنه خطوة جيدة نحو تعزيز الدولة الحقوقية وترسيخ الديمقراطية؛ نقلت يومية (يني شفق) التركية انتقادات جمعية توصياد لرجال الأعمال الأتراك بوصفها التعديل على أنه جاء "متعجلاً" لم يدرس بشكل كافٍ.

 

وتساءلت الجريدة عن معنى أن يُعد تقرير قانوني على يدي أستاذ جامعي في القانون الدستوري بطلب من الجمعية يدعو لإلغاء المحاكم العسكرية ثم تنتقد رئيسة الجمعية اليوم التعديل القانوني.

 

وترى لاله صاري إبراهيم أوغلو المحللة السياسية التركية تناقضًا في موقف الحزب الجمهوري حين يدعو لإلغاء المادة 15/ مؤقت، التي تمنع محاكمة قادة الانقلاب عام 1980م ثم يعترض على قانون محاكمة العسكريين أمام القضاء المدني، والشعب أيّد فورًا هذا التعديل القانوني، ولا يمكن التراجع عن دعم الديمقراطية؛ لأننا لسنا أقل من اليونان ولا سويسرا.